مع (الثقافة العربية والتحديات الراهنة)
فـــــوزي صبار طلاب
مقالة الاخ العزيز اكرم السداوي (عرض وتحليل) لكتاب صدر في تونس (عن المركز الاعلامي
الكويتي) وللفائدة الجمة وتكملة تلك الافكار التي اوردها الاخ اكرم بودي ان اقف على ما احتوت عليها تلك المقالة الكريمة :
اي مقالة تتناول هذا الجانب الحيوي في حياة الثقافة العربية بالتأكيد انها سوف تحمل للمعنيين متنفسا فكريا وثقافيا ضد ما تعانيه هذه الثقافة من خنق باصابع ضخمة اسطورية منذ حقب زمنية طويلة سابقة ولا اقل منذ سنوات طويلة سابقة .
بالتأكيد ان المثقف المتتبع لم يغب عن ذهنه اطلاقا انحدار واصل المجتمع العربي حيث مشاعية الارض وجدبها وقحطها ورياحها اللاهبة والتي جميعا وعوامل اخرى جعلت من الانسان العربي القديم وصفة جاهزة للتمرد والسطو والعبثية وصراعا متناقضا بين الخير والشر تارة والسلام والقتل والتشريد تارة اخرى ، ليس في داخله فقط وانما تعدى ذلك بين القبائل المنتشرة هنا وهناك ثم انتقل الى المشايخ والتجمعات السكانية وانتهت بين الشعوب العربية نفسها .
اذا اننا استلمنا سلفا وصفة جاهزة ثقافة عربية متمردة خائفة مزوية مرتجفة استغلها السلطان السياسي والحاكم المستبد لتسيسها وتصريفها وفق ما يبتغيه ويحقق مراميه ، وقد استغل اول ما استغل ابعاد المثقف عن معايشته الحقيقية للواقع الذي يعيشه وجعله فوقيا بعيدا يصغي اليه فقط النخب الخاصة دون التصاق مع جمهور الناس البسطاء .
لقد توضحت هذه التضاريس فعليا من خلال الفترات الزمنية التي مرت بالمثقف العربي فحيثما كان متنفسا سياسيا كان هناك نتاجا فكريا زاخرا يهدف الى تحرير الانسان : ا- تحرير الجسد من القيود على غرار المدرسة الافريقية وامتداداتها في امريكا اللاتينية وباقي العالم ،2_او بتحرير الروح من الجسد على غرار المدرسة الشرق اسيوية الباعثة على التأمل والتدبير في الذات والكون فهذا النوع من الانتاج الثقافي هو الذي يحاكي الناس ويهذب عواطفهم ويهز مشاعرهم ، ثم حيثما كان كبتا سياسيا وسلطويا دكتاتوريا تراجعت هذه الثقافة وانزوت تحت شعارات ومواضيع تلميعية (للمنقذ) بعيدة كل البعد عن خلجات واحاسيس الجموع الغفيرة .
اطلاقا لم يكن المثقف العربي بعيدا عن تحسسه بالحرية والديمقراطية وعدم استساغته لطعمها وحلاوتها لكنه اضافة الى السبب الاعلى الذي ذكرته هناك السبب الابعد والاكثر دموية والمتمثل بتلك القيود الصعبة التي جاءت بها الطقوس الدينية (ولم اقل الفكرية) التي عمت مجموع المجتمعات العربية حيث وضعت بينها وبين المثقف جدارات ضخمة صعب على الثقافة خرقها او الرؤيا وراءها بل وعزلتها عن مجموع الثقافة العالمية وبقيت ضمن حدودها الضيقة .
نعم علينا ان نقر بان الصراع الهائل بين ما سمي (بالعولمة) وبين الارث الفكري الثقافي والذي وقع تحت طائلته المثقف العربي الذي جاء متعبا ومنهكا تنهشه منغصات الحياة ومنغصات الواقع العربي المتردي اساسا جعل منه انسانا بسيطا يصعب عليه محاكاة ثورة التكنولوجيا (حيث اصبح انسانا مهمشا تنغلق امامه الافاق الرحبة للثقافة) .
لا ينكر ما للعامل الذاتي الداخلي للمثقف العربي حيث شعوره دائما باحقية افكاره الخاصة وطروحاته المختلفة حيث يبيح لنفسه مناقشة منافسيه بتعال بل واحيانا يحاول ان يسحق ويشطب كل ما يتعارض مع افكاره ومفاهيمها هذا الصراع قد اجج التناقضات ليس فقط بين الافراد وانما تعدى الى الجماعات وظهور وبروز التيارات والافكار التي عندما تريد انت ان ترجع الى اساسياتها تجدها جميعا تلتقي بهدف واحد ومبادئ لا تختلف ، اذا ما الذي خسره المثقف في هذا الصراع ؟ انه الوقت والالتقاء والتوحد وعدم مواكبة الحضارات العالمية وتطوراتها العلمية البعيدة.
الثقافة البشرية هي واحدة وما نجده الان من اختلاف بين هذه الثقافة وتلك انما مردها الى العوامل المذكوره اعلاه ولم تعط ثقافة التكنولوجيا السمة الاساسية للافضل والاحسن لكن الثقافة التي تفجر بالانسان مكامن قوته وهمته وحرصه واخلاصه والتزامه بالارث الفكري والوطني والذي ينحدر منه المثقف الواحد كون ان الامم تختلف في طقوسها وعاداتها وفلسفتها في الحياة فهذا المثقف هو الفاعل وهو المحرك لطاقات البشر المتنوعة .
ان ما نسمعه اليوم من (صراع الثقافات) انما هو سلاح الصراع الحقيقي بين الفكر الانساني الخلاق الذي يصطدم دائما مع الواقع المؤلم للمجتمعات وهمة المثقفين وحبهم للانعتاق وتسخير طاقاتهم الابداعية والفنية لخدمة قضية مجتمعاتهم وما تفرزه هذه المجتمعات من اساطين اصحاب رؤوس الاموال الضخمة والفكر الرجعي السلفي الذي يركن الى الرجوع للخلف والاستسلام للغيبيات .
فاذا ارادت الثقافة العربية بجميع ابداعاتها ومناهجها النهوض عليها اولا التخلص من التسلط السياسي
والديني السلفي وان تفك اسارها من تلك الاوهام والظنون التي تمزقها من الداخل وتسلح افرادها بقوة الفكر وثباته دون تغيره بين ساعة واخرى وان تبعد افرادها من كيل التهم والتصدي لكل ما هو محرف ومنحول وثانيا الاستناد الى ارضية خصبة من الانفتاح نحو العالم وليس باتجاه الفكر الانفرادي الضيق والنظر الى الخصوصيات المقيتة .
ما الذي يجعل الثقافة العربية ثقافة داخلية بعيدة عن مسايرة العالم وهل نضب الفكر العربي بحيث بقي يجتر ما سطره الاوائل والرواد ويتوسدها وهو مخدر الاعصاب ؟ ان الاجابة على هذا السؤال يحتاج الى جرأة فكرية والى توفر الديمقراطية التي تبيح للفرد التحدث بدون اي شعور بالخوف سياسيا ودينيا ، ولعدم توفر هذين الشرطين فان المستقبل القريب لا يبشر بالخير .
وللحديث بقية ...............
فـــــــوزي صبار طلاب
ستوكهولم
11/10/2006