مؤتمر زيورخ : صوت من أصوات المضطهدين والمهمشين على مدى العصور..من سيكون معه؟ ومن سيقف ضده؟
( ويل لعالم لايمنح من علمه وويل لجاهل منغلق على جهله ) (الكنزا ربا،الكتاب المقدس للصابئة المندائيين)
يحيى غازي الأميري
أحد أبناء الصابئة المندائيين من بلاد الرافدين / أذار2007
بفضل انتشار واتساع طرق الاتصالات والمواصلات ونقل المعلومات والأخبار بات كل إنسان في هذا العالم الفسيح الواسع يقرأ ويشاهد ويسمع بين لحظة وأخرى تبث على مدار الساعة أخبار جديدة ومعلومات أحدث وابتكارات افضل وأخر الكوراث الطبيعة والمصطنعة وأخبار الحروب والإرهاب والاضطهاد والاستعباد وأخبار وأفلام وتقارير وبحوث ودراسات لا حصر لها وبمختلف اللغات أنها ثورة حقيقة في نقل المعلومات بيسر وسرعة للجميع ، و أكيد تختلف طريقة طرح ونقل وإيصال هذه المعلومات حسب المصالح والأهواء وما أكثرها تنوعا ً في عالمنا هذا وكما يقال ( كل يبكي على ليلاه ) ..
من اكثر الإخبار التي تتناقلها العديد من وسائل الاتصالات وتخصص لها المحطات الفضائية العديد من ساعاتها أخبار الحروب والاضطهاد والإرهاب والتمييز بكافة أشكاله والديمقراطية ولاعبيها وملاعبها والحرية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات ومعاناتها.وسوف اركز على موضوع الأقليات ومعاناتها لكونه يتعلق بالعديدة من المواضيع التي تهم حياة المجتمعات وحقوقها ويهم موضوع مقالتنا هذه .
والذي أود إيصاله من هذه المقدمة المتواضعة هي كيف تستطيع القوى الضعيفة و المظلومة والمضطهدة من تجميع قواها المتعبة والمرهقة والخائفة والمتقطعة الأوصال والمتباعدة والمتشرذمة في بقاع عديدة والتي لا تكاد تستفيق من ضربة حتى تأتي الثانية أقوى وأحدث منها وخصوصا في عالمنا الثالث الذي تعاني الأقليات فيه من ويلات ومآس ِ وأزمات ونكبات وخوف ورعب واستبداد واضطهاد وتهميش وامتهان لحقوقها وكرامتها يضاف إليه الفقر والجهل والتخلف والتميز والتعصب والإرهاب والحروب التي تلف وتعصف في المجتمعات المتواجدين فيها.
لقد قرأت عن العديد من تجمعات الأقليات التي تشاركها منظمات وأحزاب بعقد المؤتمرات العالمية والاقليمية والمحلية التي تناصر وتسند وتدعم هذه الأقليات المغلوبة على أمرها والمضطهدة والتي يفتك بها الإرهاب وملحقاته وبالوقت نفسه تحاول طليعة هذه الاقليات جاهدة تجميع قواها المتشتتة وبلورة أهدافها وحشد ناسها ومناصريها من أجل الدفاع عن حقوقها التي سلبت رغم صراخها و نضالها المرير وتضحياتهم الجسيمة من أجل أثبات أنها موجودة وانها حية وما تزال تتنفس الهواء رغم كل محاولات الخنق المستمرة لؤدها !ا .ولم ألحظ أي دعم يقدم من حكومات هذه الأقليات المضطهدة لتلك المؤتمرات ولم تأخذ هذه الحكومات بعين الجد معاناة أقلياتها والحلول والمقترحات والنداءات والصرخات والاستغاثات التي تقدمها وتطلقها هذه المؤتمرات لتك الحكومات ! هكذا تشير الوقائع والحقائق .
أقرأ بشكل مستمر عن معاناة الأقليات في منطقة البحر المتوسط وأفريقيا واسيا والتي تتفاوت في قسوتها وعنفها من دولة إلى أخرى لكنها في كل الأحوال هي مآسي مستمرة ومتجددة تصل أحيانا ً إلى الإبادة الجماعية في بعض تلك الدول !!!
لقد أطلعت على معاناة إخواننا الأقباط في مصر وكفاحهم ونضالهم المستمر من أجل نيل الحقوق الطبيعة في بلدهم و قد تعالت أصواتهم في السنوات الأخيرة نتيجة اشتداد هجمات الإرهاب والتطرف التي تلف المنطقة وذلك من خلال ما تتناقله الأخبار والتقارير وقد قرأت عن مؤتمر تخطط له منظمة ( أقباط متحدون ) ودعوتها إلى ان يشاركها تجمعها هذا العديد من الأقليات الأخرى في منطقة البحر المتوسط واسيا التي تعاني من مآس ِ الاضطهاد والاستعباد والتطرف والإرهاب والتميز بشكل بات يهدد المنطقة برمتها بكارثة كبيرة .
أن ما تشهده المنطقة هذه من ويلات وفواجع وكوارث وتسليح وتناحر وحروب ونهب للثروات وتدخلات عالمية متعددة الأهداف والمصالح وكذلك اصطفافات لقوى متعددة منها دينية وسياسية وقومية وطائفية وعنصرية وشوفينية ومصالحية ولها تجمعاتها وأحزابها ومنظماتها الإرهابية وقواها العسكرية والقتالية السرية منها والعلنية التي تصول وتجول ولها مؤسساتها الإعلامية المتعددة انه وضع مضطرب ومرعب وخطير لكل هذه الأسباب وغيرها نلاحظ العديد من الأقليات بدأت بالتسارع بالرحيل من المنطقة منذ وقت ليس بقريب وقد زادت هجرتها من أوطانها بشكل متسارع في السنوات الأخيرة .
لقد قرأت بإمعان ما تناوله الأستاذ د. أحمد أبو مطر في مقالته الموسومة ( مؤتمر زيورخ : المضطهدون والمهمشون يوحدون جهودهم ) وفيها شرح عن الجهة الداعمة للمؤتمر وأهدافه وهيئته الاستشارية واعرف العديد منهم من خلال متابعتي لكتاباتهم ، وعرفت كذلك بعض من المدعوين للمؤتمر وهي شخصيات تقدمية مرموقة ولها حضور فاعل في ساحات النضال والإبداع ، كذلك سررت على تضمين بيانهم رسالة الأستاذ المناضل ( العفيف الأخضر ) وخصوصا ً فيما يتعلق بضرورة وأهمية توسيع قاعدة المشاركة للعديد من الأقليات المضطهدة بالمنطقة وهذا دليل انفتاح محمود لتوجه جديد في توحيد صوت النضال لهذه الأقليات !؟ وهذا مقطع من البيان بعد اجتماع الهيئة الاستشارية ودراسة رسالة الأستاذ العفيف الأخضر وما مطروح على جدول أعمالهم.
(اجتمعت الهيئة الاستشارية لـ (الأقباط متحدون) في مدينة زيورخ يومي 28، 29 من شهر نوفمبر لعام 2006، برئاسة الأستاذ المهندس عدلي أبادير يوسف، وضمت كل من:
الدكتور شاكر النابلسي والأستاذ مجدي خليل والدكتور أحمد أبو مطر والأستاذ مدحت قلادة والمهندس عزت بولس. وقد درست الهيئة بعمق ووضوح جدول الأعمال المقدم لها وقررت التالي:
أولاً: مضمون رسالة الأستاذ العفيف الأخضر
توافق الهيئة على الفكرة الأساسية الواردة في الرسالة، حول توسيع اهتمام (الأقباط متحدون) لتكون صوت كل المضطهدين والمُهَمَّشين في الأقطار العربية من كافة الطوائف والأعراق، مثل كافة المسيحيين في تلك الأقطار، والسُّنة في إيران، والشيعة في بعض الأقطار العربية، والأكراد في كردستان وسورية وتركيا وإيران وغيرها من الدول ) وقد قرأت كذلك مقالة الأستاذ د. احمد مطر والمنشورة في موقع صوت العراق الإلكتروني الموسومة ( لماذا سوف أشارك في مؤتمر زيوريخ؟ ) والمتضمنة رده على الدكتور سلمان مصالحة الذي كتب اعتذاره عن المشاركة في مثل هذه المؤتمرات والمنشورة في إيلاف بتاريخ 16 فبراير. وكذلك قرأت العديد من الآراء والطروحات حول المؤتمر وأهدافه وتطلعاته .
أنها مبادرة كبيرة تستحق الوقوف معها ومساندها من كل مناضل ومدافع عن حقوق المضطهدين والمهمشين والمظلومين وكل دعاة المحافظة على الأقليلت ومساندة نضالهم ودعم تطلعاتهم والتقليل من معاناتهم، وإنها دعوة مفتوحة لكل دعاة حقوق الإنسان ومنظماته ومؤسساته إن تبارك وتساند هذا التجمع وأي تجمع بهذا الاتجاه وبهذه التوجهات والأهداف.
كل القوى الفاعلة والمسيطرة ( الأغلبية ) في هذه المنطقة حكومات أو المؤسسات المدعومة من تلك الحكومات وعلى اختلاف أنواعها،نسمع أخبار اجتماعاتها ومؤتمراتها وخططها وبرامجها المعلن منها طبعا ً وغير المعلن فالعلم عند الله والراسخون بالعلم والمخططون له. أنها مؤتمرات واجتماعات متعددة تدور جميعها لصالح قوى الأكثرية أو الأغلبية في المنطقة فهي مسموح لها بنشر أهدافها وبرامجها وتطلعاتها بكافة الطرق والوسائل وكذلك الدفاع عنها مسخرة كافة الإمكانيات المادية والمعنوية والبشرية والعسكرية لبلدانها لخدمة هذه المخططات وأهدافها ، لكن لم نسمع عن جهات حكومية أو مؤسسات رسمية كبيرة ترعى وتصرف على مؤتمرات الأقليات في المنطقة وتدافع عن حقوقها وتطلعاتها رغم صراخ تلك الأقليات وبياناتهم ونداءاتهم وتضحياتهم التي لم تتوقف لحظة واحدة . وابسط مثال على ذلك ما سوف أكتبه عن أقلية أنتمي أليها كي أكون شاهد عيان أو كما يقال شهد شاهد من أهلها !! فأنا أنتمي إلى العراق أولا ً وأخيرا ً .
و حبي للعراق وشعبة قبل كل شيء ، لكني انتمي إلى أقلية دينية عراقية لا بل هي أصل العراق وبلاد الرافدين ، نحن أبناء طائفة الصابئة المندائيين ويقدر عددنا في العراق 70 أو 100 ألف نسمة ( لعدم وجود إحصائية دقيقة ومعتمدة ) وهي ديانة موحدة بالله عز وجل وتتبع النبي يحيى بن زكريا ( ع ) وهي من الديانات المسالمة ! ولنا أخوة ً من نفس الديانة في إيران وهم يسكنون غرب ( إيران ) في المنطقة المتاخمة للحدود الشرقية لوسط وجنوب العراق منذ اقدم العصور إذ سكن الصابئة بشقيهم الذين في إيران أو في العراق في نفس الوقت منذ القديم أيام كانت اللغة الآرامية هي السائدة في المنطقة وهنالك بعض الآراء والمصادر ترجح قدمهم ابعد من ذلك !!!!!
يربطنا نحن الصابئة المندائيين سواء في العراق أو في إيران ديانة واحدة ولغة واحدة ( اللغة المندائية ) وتأريخ واحد ودم واحد وأسم واحد , ونحن دين مسالم غير تبشيري منذ زمن قديم جدا ً ويهمنا أن نتواصل ونلتقي فيما بيننا فلا يحق لنا الزواج من خارج ديننا، وديانتنا تحتم على معتنقيها التزاوج فيما بيننا فقط والذي يتزوج أو تتزوج من خارج ديانتها المندائية يعتبر أو تعتبر خارج عن الدين المندائي بشكل تلقائي هو ونسله وديانتنا تحرم الرهبنة وعدم الإنجاب ولنا معتقدات وشعائر وطقوس نختلف فيها عن المحيطين بنا من الأقوام والأديان وديننا يحرم القتل والقتال وهي ديانة مسالمة تتخذ من التعميد بالماء الجاري أهم شعائرها . لنرى ماذا حل بنا وأي مساعدة قدمت لنا على مدى الدهور والعصور فالتأريخ يقول لم يقدم لنا غير الذل والهوان والفاقة والحرمان والاضطهاد والاستعباد والقتل والتنكيل والترغيب والترهيب لترك ديانتنا وهنالك مآسي دونت وكتبت عن شدة أزمات و اضطهاد مفزعة مرعبة اجبر فيها أعداد كبيرة من الصابئة المندائيين على تغير دينهم بالقوة والبطش !! وووووووووووووووووو والى أخر القائمة من اللوعات والمآسي والأحزان التي تشيب لها الرؤوس وتنقبض من أحزانها الأنفس وقد دونت قسم من هذه المآسي والويلات على حافات وهوامش كتبنا المقدسة وبعض ما كتبه ثقاة المؤرخين والكتاب وما تناقلته إلينا حكايات الأجداد إلى الأحفاد ، رغم هروبهم وانزوائهم وتقهقرهم وسكنهم آلاف السنين بين القصب والبردي والماء في أقاصي المستنقعات والأهوار و قرب حافات الأنهار قاهرين الطبيعة القاسية النائية منتزعين منها لقمة عيشهم وعيش أبنائهم لغرض استمرار الحياة لا يعرفون غير ممارسة طقوسهم وتعالمهم الدينية، ومقدمين خدماتهم وخبراتهم الحرفية والفنية المتوارثة في الصياغة والنجارة والحدادة بصناعة ما يحتاجه الأقوام التي تجاورهم في أعمالها من منتجات هذه الصناعات ولدماثة خلقهم وتواضعهم ومبادئهم الدينية المسالمة تعايشوا بشكل أو آخر مع الأقوام المجاورة لهم رغم كل أنواع التمييز التي تمارس فوق رؤوسهم .
وهم صاغرون فلا توجد لهم قوة أو جيش يدافعون فيها عن أنفسهم ولم يسجل لنا التأريخ ان كفلت لهم سلطات الحكومات التي تعاقبت على حكمهم آلاف السنين أي رعاية أو حماية عدى فترة ازدهار أيام الانفتاح والتسامح الديني الذي ساد العصر العباسي الأول وقسم من العصر العباسي الثاني والذي شارك الصابئة فيه إلى جنب أبناء الاقليات الأخرى المسيحيين واليهود والمجوس في بناء الحضارة الإسلامية وكانت بداية ذلك منذ عصر الرشيد وبعض الخلفاء الذين ساروا على نهجه إذ بعد هذه الفترة الذهبية (بدأت موجات التميز والاضطهاد والظلم تنالهم بسبب انتمائهم الديني ) فهرب المتواجدون من الصابئة من حواضر المدن ملتحقين بإخوانهم في المناطق القصية النائية و في الأهوار وللأنصاف نقل لنا آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا ان الذي ساعدهم وحماهم من القتل والاضطهاد وخصوصا ً في الفترة التي سبقت تكوين و تشكيل الحكومة العراقية في 1920 وبعدها لسنوات طويلة فالذي ساعدهم وحماهم وأجارهم العشائر المجاورة لهم إذ كان الصابئة يستنجدون بشيوخها ورجالها المتنفذين ويعقدون معهم الأحلاف والمواثيق والتعهدات من أجل المحافظة عليهم ورعايتهم من الاعتداءات والسلابة والنهابة وكثير من شيوخ ورجال تلك العشائر يذكرونهم الصابئة المندائيين إلى يومنا هذا بالذكر الطيب والترحم لمن توفي منهم وكذلك تذكرهم وتبادلهم تلك العشائر ورجالها بنفس الطيبة والمحبة .... ولست مبالغا ً أن أكتب أنه لم يزل قسم من تلك العشائر ترعاهم وتدافع عنهم إلى يومنا هذا حتى بعد انتقال قسم منهم إلى العاصمة والمدن الكبيرة الأخرى وأني إذ أكتب ذلك ليس من باء تملق أو إشادة أحاول إرضاء طرف ما لكني اكتبها كما سمعتها من أفواه أهلنا وكذلك كشاهد عيان ؟؟؟ !!
وبعد تكوين الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي شارك الصابئة المندائيين بفعالية وعزيمة وهمة في بناء أسسها ومؤسساتها وأحزابها ومنظماتها السياسية والنقابية منذ السنوات الأولى فقد انخرط عدد كبير منهم في المدارس التي فتحت وتخرجوا ليشاركوا مع رعيل العراقيين الأوائل في البناء ، وغادرت أعداد كبيرة منهم الأهوار والقرى الجنوبية منذ ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي متوجهين إلى العاصمة و المدن الكبيرة وانخرطوا بحركة دؤبة وفاعلة في الحياة الجديدة ونهلوا بشغف ولهفة وقوة واندفاع من العلم والمعرفة وقدموا كل طاقاتهم وإمكانياتهم الحرفية والعلمية والمعرفية التي اكتسبوها من دراستهم ومن الحياة العامة من أجل المساهمة في بناء حاضر العراق وكذلك ساهموا بتقديم التضحيات الكبيرة بالأرواح والجهد قبل المال في سبيل الحرية والديمقراطية والتقدم ورفع اسم بلدهم ورغم قلة عددهم لكن لا يكاد أي عراقي يغفل مساهمتهم ومشاركتهم بصدق ونزاهة وإخلاص وتفاني وحب كبير للشعب والوطن فقد تركت مساهماتهم هذه ذكريات طيبة في نفوس كل من عاشرهم وجاورهم.
لنرى ما حل بالصابئة المندائيين الآن بعد تدهور وضع العراق السياسي ودخول البلد بدوامات الحروب وويلاتها وسياسة البطش والموت والفلتان الامني والنهب والقتل والإرهاب ، فما ان وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها حتى بدأت هجرة الصابئة للخارج ، فلم تهدأ دائرة العنف والقتل والموت والخراب في البلد بعد توقف الخرب بن العراق وإيران إذ دخل البلد بحرب أخرى وتبعها بأخرى ليزيد وضع الحصار من مأساتنا ومأساة الشعب وبالمقابل لم تهدأ استمرارية وزيادة أبناء الصابئة المندائيين وبقية الاقليات من الهجرة السريعة إلى المجهول خوفا ً من الموت والقتل بعد إن زجوا بالخدمة العسكرية الإلزامية( والتي وصلت من سنتين إلى ثمانية أو عشر سنوات متصلة ) لتتلقفهم طاحونة الحروب والحصار لتحصد منهم آلاف الشباب ، وبعد سقوط نظام صدام ازدادت الهجرة بشكل تكاد البلد تفرغ من الأقليات وعلى رأسهم الصابئة إذ تشير أخر التقارير إن عددهم بقي بحدود خمسة آلاف أو زيادة قليلة على ذلك ومن بقي منهم في العراق يعيش أقسى حالات الهلع والرعب والخوف وأما من خرج من العراق فهم الآن قسمين قسم دفع كل ما يملك من أموال حملها معه بعد ان باع كل ما يملك ( عقار أو محل أو تحويشة العمر ) وسلمها إلى المهربين كي يصل لاجئ في إحدى دول اللجوء ومن وصل منهم ينتشرون متبعثرين متباعدين موزعين على حوالي 20 بلدا ً وهنالك القسم الآخر المتبقي من الذين فروا من الإرهاب والعنف في العراق وهم بحدود 12ـ 13 ألف نسمة أو أكثر موزعين في بلدان الجوار أو النزوح كما تسمى الأردن وسوريا ومصر واليمن وإندونيسيا ينتظرون من ينقذهم من مأساة التشرد والضياع والفاقة والعوز.
هذا مختصر لحالة إحدى أعرق وأقدم أقلية دينية عراقية مسالمة بذلت كل شيء في سبيل وطنها وشعبها فماذا حل بها ومن يدافع عنها والصراع والتعصب والعنف والإرهاب والخراب قد وصل إلى أعلى درجة في مقياس رختر و لم يزل يضرب باستمرار إذ ما ان يهدأ قليل من الوقت ليضرب مجددا ً . وليس بقية الاقليات الأخرى من نسيج مجتمع العراق ( المسيحيين واليزيدين والشبك والكرد الفليين والكرد واليهود وغيرها من مكونات المجتمع العراقي ) بأفضل حال من الصابئة فلكل أقلية من هذه الأقليات العراقية مآسيها وفواجعها ومظلوميتها، لكن قلة تعداد نفوسنا ووضعنا الديني الخاص هو المختلف عن الآخرين لذا تكون مأساتنا أشد وجعاً وأقسى آلما ً وحزنا ً لقد غادر الصابئة المندائيون حملة ارث وتأريخ وحضارة العراق بعد ان دمرت الحروب وويلاتها آثارنا وتاريخنا وتراثنا ونفسيتنا وآمالنا وأحلامنا فمن يرحمنا؟؟ أليس وضع يدنا مع أخوة ً لنا في المآسي والفواجع ارحم ؟؟
ولنا ان نتساءل كم مؤتمر عالمي ساعدتنا الحكومات العراقية على عقده للملمة شملنا ودراسة أحوالنا ومساعدتنا في أحياء لغتنا وتراثنا وكم معبد تفضلت الحكومات المتعاقبة ببناءه لنا أو ساعدتنا ببنائه وهي بيوت الله للعبادة والتقوى وتعليم القيم النبيلة ؟؟ وكم دار للبحوث والدراسات الثقافية بنت وساعدتنا لبنائها ، كم مدرسة فتحن لنا واعدت لنا مناهجها لدراسة لغتنا وتراثنا وديانتنا ؟؟ هل فكرت إحدى الجهات الحكومية وليس فقط حكوماتنا حتى المنظمات الإنسانية الدولية هل فكرت فينا ولو مرة واحدة بمساعدتنا لعقد مؤتمر محلي أو اقليمي أو دولي لتدارس معاناتنا ومآسينا ولغتنا وتراثنا وطقوسنا وهجرتنا وتشردنا والضياع الذي يلفنا ؟؟ أو تسهيل زيارات متبادلة بيننا وبين إخواننا الصابئة في إيران هل فكرت حكوماتنا بتنظيم زيارات حج لمرقد نبينا يحيى بن زكريا ( ع ) في الجامع الأموي في دمشق ! أو زيارة الموقع الذي عمد فيه النبي يحيى بن زكريا ( ع ) سيدنا عيسى ابن مريم على ضفة نهر الأردن والذي أصبح رمزا ً ومزارا ً للحجيج ؟؟؟
تصرف مليارات من الدولارات على الحروب والفرهود وسماسرة السلاح وكابونات النفط والهبات والصدقات وتبذير مال الدولة على أشياء لا حصر لأنواعها ومسمياتها وقسم آخر على القصور والضيعات والسفارات والقنصليات وأقبيتها ؟ فهذه لها باب خاص ؟ وقمسيونات العقود مع الشركات ،وفرهود عقود النفط مقابل الغذاء والدواء، والتبرعات لدول وحركات ومنظمات لا نعرف حتى أسماءها قسم منها تأخذ رواتبها بالدولار وتجهز بالسلاح وقسم أخر منها تسرح وتمرح في العراق وقسم تدفع لها شيكات و كابونات نفط ،ولكن من ساعدنا وتصدق علينا ( بمليون برميل نفط ) مثلا ً حالنا من حال العبرية ( مثل عراقي يضرب على المسافر أو الراكب عندما يكون مع مجموعة كبيرة من المسافرين أو الركاب يكون حاله من حالهم أي مايصيبه يصيبهم ) ولم تزل ينابيع نفط بلادي تصدر ملايين البراميل يوميا ً وحصتنا منها نحن الصابئة المندائين مزيد الرعب والموت والفاقة والحرمان والتشرد والضياع و ......... ؟؟؟
لقد طرقنا كل أبواب الحكومات السابقة واللاحقة وناشدنا كل المتنفذين فيها من ساسة ورجال دين ان تساعدنا وترعانا فنحن أبناء هذا الوطن الأصليين مسالمين ولا قوة لنا تحمينا وتصد الظلم عنا، فماذا جنينا لم تنصفنا حتى الدساتير والتشريعات ووسائل الإعلام السابقة وقسم من اللاحقة، أنها قائمة طويلة من المعاناة والمآسى والويلات والظلم، وجاء الذي الآن الذي لا يرحم ولا ينصف الجميع ليسيطر على الساحة بالتمام والكمال والذي يتفق الجميع أن لا دين له جاء ( الإرهاب وملحقاته ) ليزيد الطين بلة .فهنا نسأل السادة المنصفين هل نسند اخوتنا من الأقليات المضطهدة و المهمشة ونضع همومنا ومصيبتنا سوية ( فجميعنا في الهوى سوى ) ونعمل لمساعدة بعضنا البعض ونوحد صوتنا وصراخنا كي يكون اكثر دويا ً حتى يسمعه المستبد والجائر ؟ أو الذي بالسلطة والمال حائر؟ أو الذي بالتجويع والترويع والبطش سائر ؟ أو الذي لا يريد أن يسمعه للعديد من الأسباب الأخرى ؟ أليس من حقنا ان نوحد صوتنا نحن المساكين والمهمشين ؟ ونطرق به مجددا ً أبواب السماء قبل أبواب الحكومات والمنظمات الدولية وأكيد أبواب السماء ورب العباد لمآسينا وصراخنا أرحم فبه نستجير واليه نرفع عيوننا واليه تهفو أفئدتنا .
.
أم الأفضل نبقى نستمع إلى الوعود والعهود التي لم نقبض منها سوى الوعود كما يقال (( القبض ريح ))
ومن مؤتمر زيورخ للأقليات المضطهدة والمهمشة والمتشردة سنطلق صرختها الموحدة ( باسم أقليات مضطهدة ومهمشة متحدون ) وستتبعها صرخات موحدة أعلى صراخا ً وأشد قوة وعزيمة . وأننا على ثقة سوف تكون معنا ومع صرخاتنا المستغيثة أصوات الملايين من المدافعين عن كرامة الإنسان وحقوقه والمؤيدين والمناصرين لحقوق الأقليات ومعاناتها من شتى أرجاء المعمورة !
وللحديث صلة !!
يحيى غازي الأميري
أحد أبناء الصابئة المندائيين من بلاد الرافدين
آذار 2207
و هذه نص الكلمة التي القاها الاخ الاميري
الصابئة المندائيون في مؤتمر زيورخ الأول الخاص بأقليات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
يحيى غازي الأميري
أحد أبناء الصابئة المندائيين من بلاد الرافدين
كتبت البحث أدناه خصيصا ً إلى "مؤتمر أقليات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا " المنعقد في مدينة زيورخ الخاص بالأقليات والذي دعت إلية منظمة ( أقباط متحدون ) للفترة24 ـ 26 ـ مارس ـ 2007 وقد قرأت ما أسعفني به الوقت من بحثي هذا في إحدى جلسات المؤتمر إذ خصص 15 دقيقة لكل متحدث وقد أسعدني أن اسمع صوت شعب مسالم عراقي رافديني أصيل ضارب بعمق التأريخ صوت يحمل هموم القهر والاضطهاد والتميز منذ آلاف السنين ( صوت الصابئة المندائيين ) وحاولت بكل جهدي أن انقل صورة مأساتهم وأزمتهم الحالية التي يمرون بها ، وكذلك من خلال لقاءاتي الجانبية على هامش المؤتمر وقد شاركني بذلك عراقيين اصلاء كتبوا عن هم العراق ومعاناة أقلياته د. سيار الجميل د . عبد الخالق حسين و د. ناظم الجواهري.
عنوان البحث : الصابئة المندائيون .. مصير مجهول يلفه الضياع والتشرد والتشرذم والاندثار
وأنتم يامنْ أ ُضطهدتُم في الدنيا وأنتم صامتون سألبسكم نورا ً و أ ُلبسَ مضطهديكم الخزيَ والهوانَ فأين يذهبون . ((كنزا ربا ، الكتاب المقدس للصابئة المندائيين ))
أسوثه نهويلخون ,,,, السلام عليكم
سيداتي آنساتي سادتي
في البدء أرجو قبول خالص شكرنا وامتناننا لدعوتكم الكريمة الصادقة لمشاركتنا بمؤتمركم الموقر .
جئنا إلى المؤتمر التأسيسي هذا لنضع أيدينا وقلوبنا مع كل الأيادي الخيرة المحبة للخير والسلام والمحبة والمدافعة عن العدالة والحرية والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامته وعن حقوق الأقليات على اختلاف أنواعها .
جئنا ويشرفنا أن نكون بين هذه الصفوة الخيرة المناضلة التي سوف ترسي بمؤتمرها الـتأسيسي أسس النضال المشترك من أجل نصرة الأقليات المضطهدة والمستعبدة والمسلوبة الحقوق في هذه المنطقة التي تشهد صراعا" وقتالا" وعنفا" وإرهابا" مرعبا" مدمرا" ،ينالها بشكل مستمر ويأخذ منحنيات و انعطافات خطيرة في ظلمه وهمجيته و وحشيته وبربريته وعدائه لها و لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية.
سنعمل جنبا" لجنب من أجل أن نضع أول أولويات أهدافنا أننا نناضل من أجل المساواة والعدالة والحرية والديمقراطية للجميع دون تميز وأفضلية ومحصصات لهذه الفئة أو تلك على حساب الأقليات وحرية وكرامة الإنسان . وسنعمل من اجل ضمان حقوق الأقليات أولا ً فهي صمام الأمان لضمان مستقبل آمن للجميع .
سنعمل من اجل طرق كلِّ الأبواب مطالبين المجتمع الدولي وحكوماته وأحزابه واتحاداته ومنظماته وهيئاته الدولية بضرورة الالتفات إلى مآسي ومعاناة أوضاع الأقليات الدينية و الاثنية وإنصافها من الظلم والجور والاستعباد والاستبداد والاستبعاد ومن التطرف والإرهاب والتمييز والإقصاء . مسترشدين بمبادئ حقوق الإنسان ورسالات السماء والرسل والأنبياء والمعاهدات والمواثيق الدولية.
أن الوضع الخطير والمأساوي الذي تمر به منطقتنا ( الشرق الأوسط ) والمناطق المجاورة لها من ويلات وفواجع وقتال وتطرف وقسوة و وحشية وخراب ونهب للثروات وانتشار الفساد المالي والإداري والفلتان الأمني وتهديد لمصائر شعوب المنطقة واقلياتها خصوصا ً والذي ينتشر بشكل مخيف أسرع من انتشار الأمراض الفتاكة والطوفان في العصور الغابرة. ويقف على رأس الأخطار كلها الإرهاب والتطرف والتفرقة والتمييز فقد أصبحت ظواهر معاشه يومية تهدد حياة المواطن وتزيد من رعبه وقلقه .
سادتي الحضور الكرام
نعم الكل يعلم أن قوى عديدة تقف وراء هذه الأفعال والأعمال تدفعها وتدعمها وتنظمها وتساندها وتروج أفكارها ، أنها دول كبيرة وصغيرة وشركات رأسمالية عملاقة و مافيات لا تقل قوة وشراسة عن تلك الدول مجندين معهم أحزابا" ومنظمات عديدة مختلفة الأهداف والتوجهات ولها مؤسسات دينية وثقافية واجتماعية وجامعات ومؤسسات ومدارس تربوية ومحطات إعلامية متنوعة ( تعمل كل هذه تحت مختلف المسميات ) ، أنها معارك كبيرة طاحنة من أجل النفوذ والهيمنة ونهب الثروات، و إدامة المصالح وتصفية الحساب ، أنها تعمل بسرعة كبيرة دون كلل أو ملل من اجل مصالحها أولا ً فتراها تعمل من أجل استمرار دوامة العنف وتأجيجه تحت مختلف الذرائع والبدع سواءا" الدينية أو المذهبية أو القومية أو الطائفية أو العرقية أو الجنسية و إثارة النزاعات والانقسامات وخلق بؤر للتوتر وخلط الأوراق وإشاعة الاضطراب والبلبلة ،أنها سلسلة مبرمجة لا تنتهي ولا يمكن الانتظار والتفرج عليها إنها أفكار وخطط روجت لها دوائر متعددة الأهداف والمصالح والنيات وذلك منذ أزمنة ليست بالقريبة فشراء الذمم وخلق البدائل وسياسة التوريط ونظرية المؤامرة ونظرية صراع الحضارات وحوار الأديان وسباق التسلح وأفلامه التي لا تنتهي، أنه حديث طويل متشعب خطير ومخيف ومفزع .... لكن هل نستكين ونشاهد ما يصيبنا .... وما حل بنا وينتظرنا وما سيؤول إليه المصير المجهول الذي يقف بانتظارنا كأنه السيف المسلط على رقابنا ، أن الخاسر الأول والمتضرر الأكبر من كل هذا هم الأقليات الدينية والقومية والطائفية والعرقية في هذه المعارك والصراعات والمناحرات التي لن تنهي أبدا" مادام هناك حساب ربح وخسارة.
أن ما تشهده دول المنطقة وعلى سبيل المثال ( الصومال ، والسودان وجنوبه و غربه وقضية دارفور ، وأثيوبيا وإرتريا ومصر وحقوق الأقباط وتطلعاتهم وليبيا والجزائر والمغرب و الصحراويين وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا وإيران واليمن والسعودية والعراق ودول الخليج وأفغانستان وباكستان وكشمير وغيرها من الدول التي أصبحت بؤرا" للتوتر في آسيا وأفريقيا مزروعة ببراكين موقوتة للانفجار في كل الأوقات، فشعوب هذه المناطق تلفها دوامات صراع التعصب والعنف والإرهاب والقتال والخراب وانقسامات وتكتلات قومية و طائفية ودينية وتوتر وتخلف وتسلح وتبديد ثروات ومصادرة الحقوق والحريات والديمقراطية والكيل بعدة مكايل حسب الولاء و المصالح والأهواء ونبقى نحن من أهل ( الاقليات ) نتحمل الخسارة الكبرى بنزيف لا ينقطع ودم لا يرقأ.
أخوتي الحضور الكرام
أن ما يمر به العراق اليوم هو إنذار كبير مدوي لكل المنطقة وخصوصا ً ( للأقليات ) فحذار منه !!
أنه إنذار يستحق الوقوف عنده ودراسته ووضع الخطط المستقبلية من أجل المساعدة والمساهمة بإيقافه وتحجيمه بفضح مخططاته ومراميه وأهدافه البعيدة إن ترك له الحبل وبهذا الدعم والإسناد والتأجيج المتعدد الأوجه والأشكال فسوف يسري إلى كل المنطقة ويدمرها.
سادتي
جئنا لمؤتمركم ونحن نحمل هموما" وأحزانا" وأشجان تنوء الجبالً عن حملها، جئنا نحمل تراث شعب ودين موحد مسالم عريق بتأريخه الضارب في عمق التأريخ .
نحن الصابئة المندائيين : حملة تراث الإنسانية وتأريخها، جئنا نستنجد بكل شريف وخير ومناضل ومؤمن وعالم وامرأة وشيخ وشاب وطفل، جئنا نطلب عونكم ووقفتكم الإنسانية والأخلاقية والتاريخية، أن قوى الظلام والإرهاب والتعصب والتطرف والنعرات الطائفية ومحاصصاتها والمصالح الدولية والإقليمية والمحلية والأنانية وضيق الأفق وقصر النظر وسياسة الهيمنة والاحتلال قلعتنا من جذورنا الضاربة في عمقها وامتدادها وبعدها الذي يمتد آلاف السنين، نعم لقد قطعت أوصالنا و أضحينا أشلاء ً متناثرة في كل بقعة من بقاع الأرض لقد شتت معتنقي هذه الديانة المسالمة ودمر تراثنا وآثارنا كل هذا من اجل طمسه وزواله ، أنها ضريبة الأقليات الباهضة الثمن التي دفعناها و لا زلنا ندفعها وكأنها الدين الذي لا ينتهي إلا بموت صاحبه ولربما سيمتد الأمر حتى يطال أبناء أبنائنا أن بقي واحد منهم يقول أنا صابئي مندائيي، نعم فلقد ضربنا الزلزال المدمر والذي هو بأقصى درجاته ولا من معين لنا من هذه المصيبة إلا الله وحسبي الله ونعم الوكيل .
سادتي الحضور الكرام
أنتهز هذه الفرصة الكبيرة وأضع بين أيديكم واتلوا على مسامعكم الكريمة شيئا ً عن الصابئة المندائيين تسميتهم منشئهم لغتهم وعقيدتهم وكتبهم وتقاليدهم ، ثم أستعرض باختصار ابرز ما مروا به من مآس ٍ وأحداث وما وصل إليه وضعهم الآن .
منذ زمن قديم في تأريخه تناول موضوع الصابئة المندائيين كدين وتسمية أصلهم ومعتقداتهم ولغتهم كثير من الباحثين والدارسين والمؤرخين من مستشرقين وعرب مسلمين وغير مسلمين وقد اختلفوا في اصل الدين الصابئي المندائي وجذوره وبتسميتهم ومعتقدهم وتأريخهم لأسباب عديدة جدا ً لست هنا بصد طرحها ، وقد انقسم المؤرخون والباحثون والدارسون في أصلنا إلى مدرستين أضيفت لها رأي ثالث أخر ، فالقسم الأول يعتقد بان أصلهم من منطقة البحر المتوسط ( والذي يشمل الأردن وفلسطين وحران القديمة ومصر ) والمدرسة الثانية ترجعنا إلى الأصل الشرقي الفارسى الهندي وهنالك رأي ثالث وهو الأصل الرافديني الآرمي البابلي السومري .كما أختلفوا في الأصل اختلفوا في التسمية ، وسوف أحاول توضيح تسميتنا وعقيدتنا ولغتنا كما وردت في العديد من البحوث والدراسات والأديان .
كلمة الصابئة مشتقة من الفعل الآرامي-المندائي ( صبـا ) ويعني اصطبغ، تعمد، ارتمس في الماء أما كلمة "المندائيين" فمشتقة من كلمة ( مندا ) والتي تعني في المندائية المعرفة أو العلم، وكلمة مندايى باللغة الآرامية تعني ( العارف ) من الفعل ( مد ّعا ) أي عرف وعلم ، وبذلك يكون معنى عبارة الصابئة المندائيين: المصطبغين (المتعمدين ) العارفين بدين الحق.
( وأسم (الصابئين ) كاسم لهذه الطائفة غير معروف عندنا لا دينيا ً ولا تأريحيا ً لاننا نعرف أنفسنا ( مندايي ) فلا بد إذا ً من ان تكون تسميتنا بالصابئين قد جاءت من الأقوام التي حولنا ، فإذا علمنا أن الشعار الديني الرئيسي لدينا هو الارتماس في الماء الجاري وان طهارتنا اليومية تمارس كذلك عن طريق الاغتسال في الماء وان هذه الممارسة تسمى عندنا ( مصبته ) أي التعميد ترجح لدينا أن التسمية ( صابئي ) مأخوذة من فعل ( صبا ) *الآرامي ومعناه يرتمس ويتعمد ونحن نقول في صيغة الأذان عندنا ( انش صابى بمصبته شلمى ) أي كل من يتعمد بالمعمودية يسلم . كما نقول في التعميد ( صبينا ابمصبته اد بهرام ربه ) أي تعمدت بعماد إبراهيم الكبير ، و لا بد هنا الاشارة الى ان اللغة المندائية تخلو من التنقيط ومن بعض الحروف الموجودة في اللغة العربية ومنها حروف ع غ ض ظ ويستعاض عنها في بعض الأحيان بحرف الهاء لانه أسهل في اللفظ علما" ان حرف العين موجود الا انه مهمل عمليا" ومن هنا بدأت أول مشكلات النطق فتحول الفعل [ اصطبغ ] إلى [ اصطبأ ]وبمرور الوقت تحول اللفظ الى [ صبأ] ومنه بدأت أول المشاكل مع إخواننا المسلمين حيث نتذكر جميعا" أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يلقب بالصابئ لانه خرج عن دين آبائه لكنها تعني في اللغة المندائية تعمد، ارتمس في الماء . ولدينا الكثير من العبارات التي تذكر كلمة ( المصبته ) كثيرا ً في طقوسنا. فمن المعقول أن يكون الأقوام المجاورون لنا ، وكثير منهم آراميون ويعرفون اللغة الآرامية ، قد أطلقوا علينا اسم ( الصابئين ) أي المغتسلة بالآرامية .
وقد أيد هذا الرأي كثير من الباحثين منهم نولدكه و الأب الكرملي و الليدي دراوروالبرفسور اوليري وكثيرون غيرهم .
اللغة المندائية : وهي إحدى لهجات اللغة الآرامية الشرقية ، تكتب اللغة المندائية من اليمين إلى اليسار مثلما بقية اللغات الآرامية ، تحتوي اللغة المندائية على أربعة وعشرين حرفا ً مرتبا ً ترتيبا ً ابجديا ً وهي تبدأ بحرف الألف وتنتهي به، وباللغة المندائية دون الصابئة المندائيين كتبهم ومارسوا فيها شعائرهم وطقوسهم إلى يومنا هذا . ) من كتاب الصابئة المندائون ص 8 و 9
أركان الديانة المندائية : ترتكز الديانة المندائية على خمسة أركان هي
1ـ التوحيد 2ـ التعميد 3 ـ الصلاة 4 ـ الصوم 5 ـ الصدقة المباركة ( زدقة بريخا )
المعتقد والأنبياء
يؤمن الصابئة المندائيون بالله ووحدانيتــه ويسمى في كتابنا المقدس والكتب الدينية المندائية الأخرى "الحي العظيم" أو "الحي الأزلي"كما نؤمن بأن آدم (ع) الرجل الأول، هو أول أنبيائنا ومعلمنا والنبي الثاني شيت (ع) ويسمى شيتل في المندائية وسام بن نوح (ع) وكان أخر أنبيائنا يحيى بن زكريا (ع) وكذلك يؤمن الصابئة باليوم الآخر .
لقد ورد ذكر الصابئة بثلاث مواضع في القرآن الكريم : فأولها في قوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئيين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ٌ عليم ولا هم يحزنون ) سورة البقرة / الآية 62 ، والثاني في قوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئيين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) سورة الحج /الآية 17 ، والثالث في قوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ) سورة المائدة / الآية 69.
ويقول العقاد في كتابه ( أبو الأنبياء ) ص108 ( أن الدين الصابئي دين قديم ، والمحقق من أمرهم أنهم يرجعون إلى اصل قديم لان استقلالهم باللغة والكتابة الأبجدية لم ينشأ في عصر حديث ) وفي ص109 يقول ( ولا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في إحدى الشعائر )
الكتب الدينيـــــــة: للصابئة المندائيين العديد من الكتب المقدسة ، في السابق كانت الكتب المندائية جميعها مخطوطات ، ولم تكن مطبوعة ، وقد قام بنسخها باليد، رجال الدين أو الكتاب الكهنوتيون ، طيلة قرون عديدة. وللصابئة المندائيين العديد من الكتب الدينية التي تداولوها ويهتدون بها منذ نشأتنا إلى يومنا هذا .
لقد قدم لنا الأستاذ الباحث عزيز سباهي في الصفحات ( 13 ، 14 ، 15 ، 16 ) من كتابه القيم ( أصول الصابئة المندائيين ) كشفا ً مفصلا ً عن الأدب المندائي (( بستة مجاميع )) حسب تقسيم الليدي دراور له إذ يقول الأستاذ ( عزيز ) في كتابه انف الذكر (( ولعل دراسة السيدة أ. س . دراور هي وحدها التي استطاعت أن تحصي كل ما دوّن من الأدب المندائي ).
ومن أهم كتبنا :
1 ـ كتاب الـ ( كنزا ) هو كتاب ( كنزا ربا ) ، أو الكنز العظيم ،أو السيدرا ، هي جميعها أسماء لكتاب واحد ألا وهو الكتاب المقدس للصابئة المندائيين.
وهو يجمع صحف آدم وشيت وسام (ع) ويقع في ستمئة صفحة وهو بقسمين :
القسم الأول: من جهة اليمين ويتضمن سفر التكوين وتعاليم "الحي العظيم" والصراع الدائر بين الخير والشر والنور والظلام وكذلك هبوط "النفس" في جسد آدم (ع) ويتضمن كذلك تسبيحات للخالق وأحكام فقهية ودينية
القسم الثاني: من جهة اليسار ويتناول قضايا "النفس" وما يلحقها من عقاب وثواب.
وأدناه النص المترجم للعربية مما جاء في افتتاحية الكتاب المقدس (كنزا ربا):
(سبحانك ربي العظيم، أسبحك ربي بقلب طاهر، رب العوالم كلها، مسبح ومبارك ومعظم ذو الوقار والجلال الله الرب سبحانه ملك النور السامي ذو الحول الشامل، الذي لا حدود لقدرته النور البهي والضياء الساطع الذي لا ينضب الرؤوف التواب الغفور الرحيم مخلص كل المؤمنين وناصر كل الطيبين العزيز الحكيم، العلي البصير العارف الذي على كل شئ قدير رب عوالم النور جميعها، العليا والوسطى والسفلى ذو السيماء العظيم الموقر الذي لا يرى ولا يحد لا شريك له بملكه ولا كفء له بسلطانه من يتكل عليه لا يذل رب الملائكة جميعا، لا وجود بدونه وما من شئ لوله أزلي ليس له بداية، وأبدي ليس له نهاية)
2 ـ كتاب ( دراشة أد يهيا ) ويضم تعاليم وحكم ومواعظ النبي يحيى بن زكريا (ع)
3 ـ كتاب ( سيدرا اد نـِشماثا ) ( الأنفس )والذي يتضمن التعميد ( المـَصبتا )والأرتقاء ( المـَسقثا ).
4 ـ كتاب ( ديوان حرن كويتا ) أو ( ديوان حران كويته ) وهو محاولة لعرض تاريخ الطائفة المندائية وقد وضع الكتاب ودون في العهد الإسلامي الأول
5 ـ كتـاب ( أدم بغرة ) وهو شرح لجسد الإنسان
6 ـ كتاب ( النياني ) وهو كتاب الصلاة و الأدعية
7 ـ كتاب ( القلستا ) وهو تراتيل طقوس الزواج ، وهنالك العديد من الكتب الدينية الأخرى .
الرمز او الشعار
الدرفش أو العلم والدرفش هو رمز المندائيين وهو قطعة من القماش الأبيض و ( الدرفش ) أو العلم يرمز إلى عالم النور ويستخدم في العديد من الطقوس الدينية ومنها التعميد ويعتبر كذلك رمزا ً للضياء والنور السماوي
الطقوس والشعائر
التعميد أي المَصـبتا : يعتبر التعميد عمدة الدين المندائي وركن أساسي من أركان بناء الدين المندائي وواجب على كل مندائي ، حيث يمثل ولادة ثانية من خلال الارتماس في الماء الجاري ( يــَردنا ) الذي يغطس فيه . وخلال التعميد تقرأ مجموعة من النصوص من كتاب الأنفس ( سيدرا اد نشماثا )وبهذا التعميد عمد نبينا ( يهيا يــُهانا ) أي النبي ( يحيى بن زكريا ) ( ع ) عمد ( السيد المسيح) ( ع ) في نهر الأردن قبل ألفي عام . وبهذا التعميد يتعمد المندائيون منذ طفولتهم أي بعد شهر من ولادتهم ، والتعميد ( المـَصبتا ) عدة أنواع منها التعميد المفرد والجماعي وتعميد يوم الأحد وغيرها . وخلال التعميد يلبس المتعمد ورجل الدين الذي يقوم بأجراء التعميد الملابس الدينية البيضاء ( الرستة ) والتي تلبس أيضا ً في العديد من الطقوس الدينية .
يتجه الصابئة المندائيون في صلاتهم وفي ممارسة الشعائر الدينية الأخرى نحو جهة الشمال وذلك لكون عالم الأنوار (الجنة) في هذا المكان المقدس من الكون الذي تعرج إليه النفوس في النهاية لتنعم بالخلود إلى جوار ربها, ونستدل على اتجاه الشمال بالنجم القطبي جغرافيا، وتوصي الديانة الصابئية المندائية بالصدقة (المادية والمعنوية) كما إنها توصي بالصوم الأكبر وهو الامتناع عن نحر الحيوانات والامتناع عن تناول اللحوم في أيام معدودة من السنة وعددها ست و ثلاثون يوما وتؤكد على الزواج (بما في ذلك رجال الدين) الذي يتم خلال سلسلة من الطقوس الدينية يقوم بها رجال الدين وبحضور شهود وجمع من الناس في احتفالية يسودها الفرح والطقوس التي تجرى تؤكد قدسية الزواج وثباته وصيانة العهد بين العروسين والدعاء لهما بحياة مثمرة ومستمرة .
لكل فرد مندائي بالإضافة إلى اسمه المتداول ( المدني) له اسم ديني ( الملواشة ) يتداوله المندائي في العديد من المراسيم الطقسية .
المحرمات في الديانة المندائية
تشترك الديانة الصابئية المندائية مع الديانات السماوية الأخرى في تشخيص وتحديد الكثير من المحرمات وهي في تشخيصها تأخذ بعدا علميا وإنسانيا وإجتماعيا ً ومنها
التجديف باسم الخالق (الكفر) ، القتل ، الزنى ، السرقة ، الكذب ، شهادة الزور ، خيانة الأمانة والعهد ، عبادة الشهوات ، الشعوذة والسحر ، الختان ، شرب الخمر ،البكاء على الميت ، الطلاق ( إلا في ظروف خاصة ) ، أكل الميت والدم والحامل والجارح والكاسر من الحيوانات والذي هاجمه حيوان مفترس ، الانتحار و إنهاء الحياة والإجهاض ، تعذيب النفس وإيذائها.
شيء عن تأريخنا ومساهماتنا ومعاناتنا :
تشير كتب التاريخ أن الصابئة المندائيين قد شاركوا بفاعلية كبيرة في بناء الحضارة العربية الإسلامية عندما فسح لهم المجال وساد التسامح الديني وخصوصا ً في الفترة العباسية ومن ابرز علمائنا بتلك الفترة ( ثابت بن قره ، والبتاني وسنان بن ثابت وأبو إسحاق الصابي وهلال أبن المحسـِّن الصابي والعديد من الأسماء التي تركت بصماتها الكبيرة في بناء الحضارة العباسية.تشير المصادر التأريخية القديمة أن أهم مناطق سكناهم وتواجدهم هي من شمال مدينة ديالى العراقية وما يقابلها من الجاني الإيراني تمتد إلى الجنوب العراقي حيث طيب ماثا والاهواز وكذلك وسط العراق وجنوبه ولم يزل قسم من الصابئة المندائيين يسكن في إيران ولا تقل معاناتهم عن صابئة العراق .
ومن أبرز المهن التي اشتهروا بها الصابئة صياغة الحلي الذهبية والفضية والنقش عليها وتطعيمها بالميناء ، وكذلك بالنجارة والحدادة والتي من خلالها كانت لهم مساهمة كبيرة في توفير مختلف وسائل الإنتاج القديمة للزراعة ووسائط النقل في أهوار العراق.
وفي بداية القرن العشرين وبعد صحوة العراق من عصوره المظلمة التي جثمت عليه أكثر من أربعة قرون، فقد هب َ الصابئة المندائيين في بناء الحياة الجديدة للدولة العراقية الفتية بعد عاشوا عزلة طويلة قاسية كانوا مجبرين عليها لقد باشروا في بناء المجتمع والحياة الجديد مشاركين مع بقية نسيج الأسرة العراقية الكبيرة التي تألف الشعب العراقي ، بكل همة وعزيمة ونشاط وإخلاص ومثابرة وتضحية وحب للوطن وشعبه بصدق لا مثيل له، أن تضحياتهم ومساهماتهم رغم قلة عددهم لكنها أخذت حيز كبير في سجل البناء والتضحية ، ويشهد بذلك لهم القاص ِ والداني والعدو قبل الصديق وما حب طيبون وشرفاء ونجباء شعب العراق لهم وعلى مختلف أطيافهم إلا دليل ساطع على ذلك من خلال ما تدونه أقلامهم وتصريحاتهم وتضامنهم مع محنة المندائيين الحالية.
أن نسيج الأسرة العراقية الكبيرة التي يتألف منها الشعب العراقي متعددة الأطياف الدينية والقومية وأن الأقليات الدينية غير المسلمة (المسيحيين والصابئة واليزيدين واليهود ) والأقليات القومية الرئيسية ( العرب والكرد والتركمان بمختلف طوائفهم ومذاهبهم ) والأقليات القومية غير الرئيسية ( الأكراد الفيليين والشبك والأرمن والكلدواشوريين والسريان والفرس) هم من مكونات هذا الشعب ولهم نفس الحقوق في كتابة دستوره وتقاسم خيراته وبناء مؤسساته وإعادة الأمان والاستقرار له و أن مصيرهم مرتبط بمصير وطنهم وشعبهم .
تشير كافة التقاريرالدولية المهتمة بشؤون الاقليات في العراق على تزايد وتسارع انخفاض اعدادهم في العراق بشكل مخيف ويدعو للحزن والأسف .
أهملت الدساتير العراقية القديمة بشكل متعمد العديد من هذه الأقليات العراقية الأصيلة في عراقيتها وهمشتها وحرمتها من العديد من الحقوق وفرضت عليها قوانين تعسفية مخالفة لمبادئها الدينية ولتراثها ولغتها وثقافتها وأثارها ومعابدها ونال معتنقيها كثير من التفرقة والامتهان والذل لكرامتهم ولحرياتهم في العبادة ولم تعطيهم حقوقهم في النشر والتعريف بثقافاتهم وتراثهم في العديد من وسائل الإعلام و المؤسسات التربوية وعدم دعم الدولة في مساعدتهم بذلك وعدم تقليدهم المناصب الرئيسية في مؤسسات الدولة وإهمال كبير في تطوير وبناء معابدهم ونشر تراثهم والمحافظة عليه .
وفيما يخص الصابئة المندائيين : نال الصابئة منذ بدأ ظهور الأديان السماوية ليومنا هذا أنواع شتى من الاضطهاد الفكري والديني والسياسي والاجتماعي .... ولست هنا بصدد سرد لتأريخ طائفة الصابئة ومعاناتها لكني سوف أتناول بعض أهم الأحداث الكبيرة والمشهورة في تأريخ الطائفة بهذا الخصوص والتي أثرت سلبيا ً بمسارها ! ....فأولها قبل آلاف السنين تعرض الصابئة إلى اضطهاد اليهود لهم ومحاولة إبادتهم وقتل 360 من علماء دينهم !! وقد هجروا ديارهم من بقوا منهم أحياء والتي دونها الصابئة ضمن إحدى مخطوطاتهم القديمة (حران كويثا ) باللغة المندائية . ومن ثم صراع الصابئة مع المسيحية منذ بداية نشأتها واضطهاد الأخيرة لهم واتهامها لهم بالهرطقة والثنوية وبالتالي محاربتها كل من ينطق بالآرامية واتهامها إياه بالمندائية إذ كانت تعتبر كل من يتحدث الآرامية صابئي أو مندائي .
وكذلك حالها مع الإسلام وقد عانوا من فترات عصيبة أكبرها فتوى الأمام أبو سعيد الاصطخري الذي حرض على عدم اخذ الجزية منهم واعتبرهم ليسوا أصحاب دين أو كتاب!! وقد نالهم من جراء فتواه أقسى أنواع الاضطهاد والذل .
والذي يريد الاطلاع بإمكانه أن يبدأ من كتاب( الخراج ) الذي ألفه أبو يوسف للخليفة هارون الرشيد ويحكم بنفسه على الواقع الذي كانت تعيشه الاقليات الدينية غير المسلمة .... والكتاب يعد من أول كتب القانون في الجزية والخراج في الإسلام.
كل هذه الأسباب وغيرها جعل طائفة الصابئة تتمحور حول نفسها وتتخذ من الاهوار وحافات المياه والأماكن القصية والبعيدة عن مراكز الحضارة أماكن لسكناها في ذلك الزمن .
وحتى في هذه المناطق النائية والقصية وعند بداية حملات التبشير المسيحية في القرن السادس عشر الميلادي نالهم من الاضطهاد ومن التحريض عليه من قبل البعثات التبشيرية المسيحية والتي عمدت إلى تحريض الوالي العثماني في ولاية البصرة آنذاك على إجبارهم على اعتناق الإسلام بحجة كونهم ليسوا أصحاب دين وليس من اتباع المسيحية كما كانوا يدعون !!!
وذلك بعد أن تيقنت (البعثات التبشيرية ) بأنهم لا يدخلون المسيحية وبعد أن تفاجئ المبشرون بوجودهم بهذه الأعداد وتزمتهم والتزامهم بدينهم !!!
وفي التأريخ الحديث نال الصابئة الكثير من الظلم والحيف والاضطهاد رغم تفانيهم وحبهم وتضحيتهم في سبيل وطنهم سواء أكان ذلك في العهد الملكي أو العهد الجمهوري وقد تجلى الحقد الكبير والواضح بعد ( انقلاب 8 شباط الدموي الأسود عام 1963) ، وكانت حصة الصابئة من الاضطهاد شيء يفوق تحملها وحجمها فراح ضحيته العديد من الشهداء وزج بآلاف من أبنائها (من النساء والرجال والشيوخ) بالسجون والمعتقلات لسبب سياسي أو غير سياسي إذ اعتبر كل من تحدث بالديمقراطية والتقدمية والحرية والمساواة هو شيوعي وملحد وراح كل الحاقدين من الرجعية الدينية و من حملة الأفكار القومية العربية الشوفينية يمارس ابشع أنواع الاضطهاد والإذلال لنا وقد لحقت بالطائفة مآسي كبيرة من جراء ذلك ، وخير دليل هو ما صدر منذ اليوم الأول( لهيئة انقلاب 8 شباط) بحق أحد أبنائها النجباء العالم الجليل( عبد الجبار عبد الله) البيان الذي يحمل الرقم (6) وقد ناله من التعذيب والإذلال والتحقير الشيء الكثير، لا لذنب اقترفه ألا لكونه صابئيا ً أولا ولكونه يحب العراق ويعمل وعمل بإخلاص له ...... ( تصور بيان رقم ( 6 ) وفي اليوم الأول بأسم شخص و كان كل عمله رئيس جامعة بغداد !!!!
((( والذي لم تستلم طائفة الصابئة أي مركز مثله أو اقل منه أو مشابه له من مؤسسات العراق التي زاد عددها اكثر من آلف مؤسسه ووزارة بعد هذا المنصب إلى يومنا هذا ))) .
وقد امتد الاضطهاد والتعسف والغبن على طوال فترة الحكم العارفي للأخوين( عبد السلام وعبد الرحمن ).
وفي حقبة حكم البعث وصدام وجلاوزته التي امتدت اكثر من خمسة وثلاثين عاما ً نالنا الشيء الأكثر من الاضطهاد الفكري والديني والسياسي و الاجتماعي .
أخذنا حصتنا من حروبه التدميرية القذرة التي لا يوجد لها راس ولا أساس والتي راح ضحيتها شعب العراق وخيراته.. لقد زج الصابئة بالجيش وفي محرقة الحروب مرغمين مجبرين رغم تحريم ديانتهم القتل والقتال بكل أنواعه وأشكاله .
سوف أكتفي ببعض الأمثلة والتي لازالت تتكرر عن ما كتبته أعلاه من تجاوزات بحق أبناء الصابئة المندائيين :
لقد نالنا صنوف شتى من الذل والتميز وطالتنا أنواع لا حصر لها من الشتائم والسباب (يكفي انه ما من صابئي لم يشتم ويعير انه ((صبي نكس ))أي ((صبي نجس)) أو تضعيف أسم الصابئي إلى أسم الصّبي وتصغيره إلى ( الصبيبي ) إمعانا ً بالتحقير والسخرية يحدث هذا في الشارع أو في المدرسة ، بدون استثناء صغير وكبير شتم بها وأكثر منها في حالة حدوث أي خلاف أو بدونه مع إخواننا في الوطن والأيمان بالله ، لقد ذقنا شتى أنواع الذل والتميز طبقت ( قوانين الأحوال الشخصية) لدين الدولة علينا بينما كان للطائفة المسيحية والموسوية قانونها الخاص بها . (بالوقت الذي كان يوجد لدينا مبادىء وقوانين دينية ومدنية خاصة بنا لم يأخذ بها )لم نأخذ استحقاقنا من المناصب العليا والمهمة في مؤسسات الدولة.
كنا ومنذ آلاف السنين (نصرخ ونستجير) بأننا(( نعبد الله ولنا كتاب ونبي )) ولكن يظهر لنا من حين لحين من يروج علينا عكس ذلك مستغلا ً ضعف إمكانيات الصابئة وخوفها وعدم امتلاكها وسائل إعلامية أو قوة تردع من يسئ لها متهمين الصابئة المندائيين ( عبدة كواكب ونجوم ) وأخرها في عصرنا الحديث ((مثال ذلك )) مقالات و كتاب ( المؤرخ عبد الرزاق الحسني ) * وقد امتدت هذه الافتراءات المشينة في منتصف التسعينات من القرن الماضي إلى المناهج الدراسية في المدارس المتوسطة والثانوية مثال ذلك ما دون في شرح كلمة الصابئة في كتاب ( القرآن الكريم )** للصف الثاني المتوسط والخامس الثانوي ، فيكتب تفسير الصابئة عند ورود ذكرهم في آياته بأنهم ( قوم عبدة كواكب ونجوم ) بدل أن يكتب عنهم ويعلم ويفهم الدارسين وتترسخ بأذهانهم أنهم قوم من أوائل الموحدين بالله ولهم كتاب ونبي وأنهم شركاء في الوطن ! وقد أمتد هذا التعريف المدسوس إلى البلدان العربية المجاورة نتيجة تبادل الخبرات بين الدول العربية في المناهج الدراسية !
بعد معرفة الطائفة ما ورد من تفسير في كتاب( القرآن الكريم) في المناهج الدراسية انفة الذكر راجعت الطائفة وزير التربية والمسؤولين عن المناهج ولكن لم يجدوا الآذان الصاغية لطلبهم !!! وأستمر هذا التعريف في المناهج الدراسية لسنوات عديدة إلى ان راجع وفد كبير من الطائفة رئيس النظام آنذاك وكان أول مطلب لهم تغير ذلك التفسير !!!! .
وقد مورست اشكال عديدة من أساليب الترغيب والترهيب على أبناء طائفة الصابئة لإجبارهم على تغير دينهم.
ناهيك عن استغلال بعض أئمة الجوامع (بيوت الله ) في الترويج للعداء للصابئة ، والتي زادت هذه الظاهرة في السنوات العشر الأخيرة من حكم الطغاة ، (في خطب الجمعة وبمكبرات الصوت وعلى الهواء مباشرة )وبدون أي حياء أخلاقي ، متسترين بأسم الدين (والدين منهم ومن أعمالهم القذرة براء ) مستغلين دعم السلطات أن لم يكن بتوجيهها نافثين سموما ً فتاكة في محاربة الديانة المندائية و الحط من كرامة معتنقيها ، وقد كانوا بأفعالهم هذه يعطون الضوء الأخضر ويشجعون أصحاب النفوس المريضة والحاقدة من الجهلة وذوي الاتجاهات التكفيرية وحملة الأفكار الهدامة من الأجهار بعدائهم وإيذائهم لأبناء الصابئة . .
ويعلم الجميع ان ( بيوت الله) هي ليس فقط للعبادة و إنما هي البيئة الصالحة للتربية على الأيمان الصحيح المبني على المحبة والعدالة و الإنسانية والسلام والتسامح وهي ايضا ً المكان المناسب لبث الوعي والتربية الثقافية التي بشرت فيها الأديان لخير المجتمعات والبشرية !!!
لم تنصفنا وسائل الإعلام العراقية المتنوعة ( الصحافة أو التلفزيون أو الإذاعات ) بتعريف الشعب بديانتنا ومعتقداتنا وثقافتنا بل راحت من حين لحين تثور تصريح يسيء لنا هنا وهناك .
في السنوات الأخيرة وبعد اشتداد الحاجة إلى إصدار مجلة دورية للصابئة تعني بشؤونهم وافقت السلطة المقبورة على ذلك لكن ألزمت الطائفة على اعتبارها نشرة داخلية تصدر فقط للصابئة وتوزع بين أبنائها في المندي !!! وقد كانت تصدر أعدادها من (مجلة أو نشرة أفاق مندائية ) بعد موافقة الجهات الأمنية. وكذلك أصدرت الطائفة نشرة (هيمنوثا ) أي الأيمان تهتم بالديانة و الثقافة المندائية ( توزع فقط بين ابناء الصابئة ولا يسمح بتوزيعها خارج ذلك بناءا ًعلى توجيهات السلطات الأمنية) وقد أغلقت الأخيرة بسب نشرها رد على أحد الأساتذة ( أستاذ جامعي والمتحدث الديني الدائم لبرنامج تلفزيوني مشهور في عراق صدام ) لتجاوزه على الصابئة في إحدى البرامج التي بثتها محطات التلفزيون العراقية وعبر الأقمار الفضائية ، أغلقت النشرة الداخلية وتم استدعاء ومحاسبة كاتب المقالة من قبل الجهات الأمنية بينما تم تكريم الأستاذ الجامعي وبث اللقاء التلفزيوني عدة مرات ؟؟
هذه بعض التجاوزات التي قد تركت الأثر السلبي على نفسية وشخصية الفرد المندائي . هنالك العديد من التجاوزات والمآسي والكوارث التي مرت بها الصابئة المندائيين ومن يود الإطلاع فيمكننا مساعدته وتزويده بذلك أن رغب الاتصال بنا.
لقد غادر ولازال يغادر آلاف من أبناء الصابئة وعوائلهم العراق إلى شتى بلدان العالم هربا ً من الظلم والبطش والاضطهاد والتميز والتفرقة وأضيف إليها الآن الاحتلال و المحاصصات والمفخخات و الإرهاب وغياب القانون انهم متناثرون الآن في شتى بقاع الأرض ، لا توجد معلومات دقيقة عن عددهم سابقا بشكل دقيق وتشير العديد من المصادر ان عددهم وصل حوالي 70 إلى 100 ألف وبسبب الظروف القاهرة التي يمرون بها غادروا موطنهم إلى المجهول ويقدر عددهم في العراق عندما سقط نظام صدام عام 2003 حوالي 35 ألف إنسان .
وهذا مقاطع صغيرة من أخر مقالة ولقاء نشر على شبكة بي بي سي حول الصابئة ومعاناتهم ولكم الحكم في تقدير معاناتنا ومأساتنا ومستقبلنا. ((الصابئة في العراق على وشك الانقراض )) بقلم ( كروفورد انجس ) بي بي سي نيوز ـ دمشق الأحد 4 مارس 2007 وقد تناقل التقرير العديد من الصحف والمواقع الإعلامية.
)) أجبر أكثر من 80 في المئة من أفراد الطائفة على مغادرة العراق واللجوء إلى سوريا والأردن، مع أنهم لا يحسون بالأمن حتى في هذين البلدين، ولكن ليست لديهم خيارات كثيرة، حيث لا يرحب الغرب بهم.
يعتقد أن عدد أفراد طائفة الصابئة لا يتجاوز 70 ألفا، يقيم خمسة آلاف فقط منهم في العراق.
يقول كنزفرا ستار، وهو واحد من خمسة رجال دين من الصابئة في العالم( رئس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم ):"لا ينظر إلينا على أننا طائفة دينية، بل على أننا كفار، ولذلك فدمنا مباح".
وأضاف ان وضعهم اليوم يعتبر محكاً للعراق الجديد ، ففي بلد علماني من المفروض أن تزدهر حياة المهندسين والأطباء والصاغة بصرف النظر عن دينهم وطائفتهم .
أما والوضع على ما هو عليه في العراق الحالي، والغرب لا يرحب بهم كلاجئين، فيخشى ستار أن تندثر الصابئة في وقت ليس ببعيد..))
والسلام عليكم
حيى غازي الأميري
أحد أبناء الصابئة المندائيين
عضو الهيئة الإدارية المؤقتة لرابطة الكتاب والصحفيين والفنانيين المندائيين
عضو اتحاد الكتاب العراقيين في السويد
ممثل مكتب البرنامج المندائي في الخارج ، أحد منظمات المجتمع المدني
ممثل جمعية مالمو الثقافية المندائية في اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر
باحث وناشط سياسي في الدفاع عن حقوق الإنسان و حقوق المندائيين
كتبت البحث خصيصا ً الى "مؤتمر أقليات الشرق الأوسط" المنعقد في مدينة زيورخ الخاص بالأقليات والذي دعت إلية منظمة أقباط متحدون للفترة24 ـ 26 ـ مارس ـ 2007
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
*المؤرخ عبد الرزاق الحسني : (1903ــ1997) مؤرخ عراقي مشهور له العديد من المؤلفات وأشهرها كتاب ( تأريخ الوزارات العراقية ) لكونه يعد من أهم المصادر لتأريخ العراق الحديث ، نشر كتاب حول الصابئة المندائيين عام 1931عنوانه (الصابئة المندائيون ...في حاضرهم وماضيهم ) فيه العديد من الافتراءات والدس على الديانة المندائية وقد تصدت له الطائفة ورئيسها الروحاني آنذاك المرحوم الشيخ دخيل عيدان و أحالته للمحكمة التي قررت إدانته .
نشر عدة مقالات بعدها عن الصابئة وقد أطلعت على مقالة طويلة كتبها عام 1932في مجلة ( الهلال ) المصرية وقد ( عجبت اشد العجب ) عند قراءتي لها لما تحتويه من تلفيقات مدسوسة وغير صحيحة ، وكلما أقرأ كتابا ً من كتبه الأخرى يتملكني العجب والحيرة ... فالرجل رحمه الله يكتب على ضوء الوثائق والوقائع فلماذا كتب عن الصابئة كل هذه الافتراءات (بدون وثائق ووقائع ) من بداية عنوان المقالة تشويه وافتراء على الديانة المندائية ومعتنقيها عنوانها (عبدة الكواكب والنجوم لازالوا يعيشون في العراق )؟؟