بيعة طاووق
عبد الإله السباهي
في بداية تشرين الثاني عام 1914 احتلت الجيوش البريطانية مدينة الفاو ، لتحتل بعدها العراق بأكمله " بحجة مساعدته في التحرر من نير الحكم العثماني الظالم ". وثم للأخذ بيد العراقيين لحكم وطني. والارتقاء بهم للتمدن والحضارة والديمقراطية ". !
سقطت بغداد عام 1917 على يد الجيش البريطاني بقيادة الجنرال مود . والذي حمل معه كل أهداف الاحتلال واركنها في قبو في مبنى السفارة البريطانية في كرخ بغداد " محلة الكريمات " . ولقرب ذلك القبو من النهر فقد أتيت عليها " الرطوبة " جميعها ، وبان وجه الاحتلال على حقيقته. وعندها هزت ثورة العشرين المجتمع البريطاني وأطاحت بالحاكم العسكري البريطاني في العراق (ويلسون). واستبدل بالمندوب السامي الوزير كوكس .
وعلى عكس الحاكم العسكري البريطاني السابق ويلسون راح كوكس يعمل على تأسيس حكومة في العراق الجديد بكل همة وبطريقة " ديمقراطية للكشر".
الفترة التي تأسست فيها أول حكومة في العراق امتدت من عام 1920 إلى عام 1924 .وقد ساهم في تأسيسها ( كوكس ) و( دوبس ) ومس ( بيل ) . والملك فيصل الأول . سليل النقباء الهاشميين في مكة .
كان طالب النقيب قد أقام مأدبة في 19 آب كحفل توديعي للحاكم العسكري البريطاني ( ويلسون ).
وتزايد الخطباء في الثناء على ويلسون في تلك الحفلة ومنهم الشاعر الزهاوي والذي راح يذم الثورة والثوار.
وفي 20 آب وصل كوكس البصرة . وفي حفل استقباله خطب مزاحم الباججي وبعد أن أثنى على الحاكم العسكري راح يشتم العراقيين ضمن كلمته: "يؤسفني جدا أن تؤدي حماقات الأفراد العرب إلى إزعاج الأمة البريطانية ".
بعد أن زار الحاكم العسكري الجديد ( كوكس) قلعة صالح والعمارة ومدن عراقية أخرى .وصل بغداد في 11 تشرين الأول بالقطار إلى محطة باب الشيخ . وكان قد اعد له استقبال حافل هناك ألقى فيه الزهاوي أيضا قصيدة منها :
عد للعراق وأصلح منه ما أفسدا
وابثث بيه العدل وامنح أهله الرغدا
إن العراق لمسعود برؤيته
أبا له من بلاد العدل قد وردا
وتم لكوكس أخيرا والذي جاء من بلاد " العدل " تشكيل الحكومة العراقية الأولى برئاسة نقيب " الأشراف " في بغداد عبد الرحمن الكيلاني . و فرض كوكس على الوزارة مستشار بريطاني مع كل وزير. وراح هؤلاء المستشارين يحكمون العراق فعلا.
عندها قال الشاعر باقر الشبيبي :
المستشار هو الذي شرب الطلا
فعلام يا هذا الوزير تعربد ؟
"وما أكثر عربدة وزراءنا هذه الأيام ؟"
استقرت الوزارة الجديدة في بناية القشلة . ووزعت الغرف حسب المراتب. فراح وزير الدفاع جعفر العسكري آنذاك يشكو ويتذمر بعد أن حشروه في غرفة لا تليق بوزير قائلا:
( إنه وزير دفاع وليس معه شيء يدافع به ولا شيء يدافع عنه )
"ولا أعرف ماذا يقول وزير دفاعنا هذه الأيام ؟"
و عندما ذهب وزير العدلية ( مصطفى الآلوسي ) إلى المصرف العثماني لاستلام مرتبه الأول. أعطوه رزمة كبيرة من النقود فراح يدعو: ( اللهم انصر الدين والدولة ).
" ووزراء الفرهود هذه الأيام يهتفون بفرح ( اللهم انصر الدين وأنصر بوش ).
كان الشيعة يرفضون الاشتراك في الوزارة العراقية حينها وإذا اشترك أحد منهم في وظيفة احتقروه ونبذوه اجتماعيا وربما أهانوه ( عالم الحفيز ) أي صديق الانكليز.
واليوم تبدلت المبادئ فأصبحت لكل وظيفة فتوى والذي ما "رضه بالانكليز رضه بيهم وبالأمريكان وياهم ". وأصبحت المشاركة في الحكم " واجب شرعي ". !
عندما راحت بريطانيا تحضر لتنصيب فيصل الأول ملكا على العراق . قاد طالب النقيب وكان من أشهر وجهاء البصرة حملة انتخابية على عرش العراق منافسا فيصل الأول.
أخذ يبشر بذلك بين عشائر الجنوب في حملة دعائية كبيرة وخاصة بين عشائر الجنوب. وهناك راحت تطلق الهوسات الشعبية ومنها :
ثلث لله وثلثين لطالب
وثلث الله يطالب بيه طالب
وكما يحدث اليوم حيث الهوسات راحت تصدح :
المرقد بيه طابو النا مسجل
نريد البصرة وياه لعيون السيد .
وعندما وصل فيصل الأول إلى البصرة في 23 حزيران 1921 قادما من جدة على ظهر طراد حربي بريطاني اسمه ( نوث برك ) رفعت عريضة موقعة من قبل 4500 من أهالي البصرة تطالب بالانفصال عن العراق! انفصال عيني عينك . "خلف الله على الذي يريد فدرالية بس!."
ولكي تنشر الديمقراطية في أوساط الشعب، راحت بريطانيا تبشر بها على أوسع نطاق.
ففي مرة زار أحد شيوخ عشيرة شمر نقيب بغداد في داره .
سأله النقيب هل أنت ديمقراطي ؟
فكان جواب الشيخ لا والله أنه مو مغراطي . ثم سأل الشيخ عنها ما هي ؟
فقال له النقيب إنا شيخ الديمقراطية.
فأستدرك الشيخ قائلا دخيل الله إذا أنت شيخ المغراطية فأنا واحد منهم أنا خادمك . بس هيه شنو؟ . أجاب النقيب هي المساواة بين الناس فليس فيها صغير أو كبير.
فلم يعجب الشيخ هذا القول إذ أدرك أن الديمقراطية تعني زوال مشيخة القبيلة. فقال ما معناه : إذا كانت هذه هي المغراطية فالله يشهد إنني لست منها .
واليوم يعتمد ساستنا وقوات المحتل على شيوخ العشائر العراقية وعلى الطبقة المتميزة من رجال الدين في تحقيق ( المغراطية ) .
( مبارك لك شعبنا . ستتحقق الديمقراطية المنشودة اليوم على أيدي هؤلاء ومليشياتهم فهم الضامنون لأمنه وحريته ) !.ولشيوخ عشائرنا ماضي ( مشرف ) في هذا المجال .
عندما حضر فيصل الأول الحفلة التي أقامها الشيخ علي السليمان على شرفه وكان يجلس بجانبه الشيخ فهد الهذال لغرض أخذ البيعة من أهل الأعظمية . قال الشيخان للملك و على الملأ:
نحن نبايعك لأن الحكومة البريطانية قبلت بك.
راح بني ركاب والسواكن وألبومفرج وبني عمير وألبومحله وعشيرة ألهيب والجلاعطة والندوات تطالب بالاعظمية.
( والله يديم الفدراليات ) ويزيدها اليوم!.
بعد كذا سنه "رجال ألبيكم يعرف إلى أي منها ينتمي" وهل ستقبله هذه الفدرالية أم تلك و هل يقبل حسب مسقط رأسه أم حسب سجله المدني، أو حسب موقع عمله أم حسب انتماءه الديني والطائفي أو القومي ؟ أو حسب لهجته أم حسب النادي الذي يشجعه ؟.
راحت الديمقراطية تنتشر في العراق في ذلك الوقت مثل النار في الهشيم على يد كوكس وأعوانه وعلى الشعب أن يقرر من هو الملك عن طريق مضابط يرفعها الناس للحكومة .
وقد انتشرت مودة تلك المضابط في جميع أنحاء العراق. فكل مدينة راحت تحرر مضبطة .
كان مدير ناحية طاووق في كركوك مكلف من قبل مستشار اللواء البريطاني في تقديم مضبطة بذلك . ولكن مدير الناحية المسكين لم يكن يعلم هل يأخذ مضبطة بيعة من الناس لفيصل أم مضبطة رفض له ؟. حيث لم تكن تعليمات المستشار واضحة بسبب سوء الاتصالات.
وكان هذا "الرجل عملي جدا " . جمع الناس وكل وجهاء المنطقة في اليوم المقرر وأخذ منهم مضبطة بمبايعة فيصل ملكا على العراق ووقعها الحضور كلهم.
ثم حرر مضبطة أخرى في نفس الوقت وقعها كل الحضور أيضا تقول لا تبايع فيصل ملك للعراق.
وذهب في اليوم التالي إلى مستشار اللواء الكابتن ( ملر ) . وحين سأله المستشار أين المضبطة ؟ أجابه أيهما تريد ؟. فأخذهما المستشار معا .
أما شيوخ العمارة أجابوا عندما سألهم كوكس عن الحكم الذي يرغبون به أجابوا ( الله والينا ، محمد نبينا ، كوكس حاكمنا ).
ستة قرون عشنها نحن العراقيون تحت ظل استعمار عثماني ظالم ثم تحت احتلال بريطاني مخادع ثم تحت حكم جلاد لا يميز بين الدم والشربت .
كل تلك السنين جعلت من الإنسان العراقي مضطرا لأن ينافق وأن يلعب على الحبلين ليحمي نفسه ولا عتب على ساسته اليوم.
اليوم ، وبعد أن فلتت وكثر المستعمرون . أصبح العراقي إذا ما يقتل أخاه العراقي يسرقه. وحكامنا اليوم يستنكفون من أخذ الرشوة ! خاصة وهيئة النزاهة لهم " بالمرصاد " . ولماذا يأخذون الرشوة ؟ فلهم حصة رسمية في موارد العراق وكما كان لكولبنكيان 05% من النفط فللجماعة الخمس من كل شئ . وكل ممتلكات الدولة السابقة هي بمثابة أنفال .
فلتذهب الدولة إلى الجحيم . وليذهب النظام إلى جهنم . وليذبح العراقي ذبح الخراف. ما قيمة الأمن ؟ فالعراقي " صامد " وترك الأمور على رب العالمين فهو الحافظ ! . أما الكهرباء والماء والعمل والبطاقة التموينية فلا تهم فنحن من المتعففون إلى أن نتعفن ، المهم أن تعم الديمقراطية ، وأن يستطيع العراقي شتم من يشاء على صفحات الجرائد .
إخوتنا في البرلمان :
عندما تتقاسمون العراق و تؤسسون دولا جديدة على أرضه لا تنسوننا نحن المهجرين قسرا وفي كل العهود. أرجو أن تتركوا لنا بقعة أرض في عراقنا الغالي . وسوف نرضى حتى ب " شثاثه " و ففي شثاثة كل مقومات الدولة أن كنتم لا تعرفون وقد سكنها قبلنا ( أبو تمام ) . ولا يغرنكم المثل العراقي القائل : ( ما وره شثاثه عافيه ) فعيون الماء الحمراء والخضراء المتدفقة في أراضيها كلها عافية. بس ما أعرف لمن هي الآن للسنة أم للشيعة ؟ . فهي تقع بين السعودية وكربلاء كما تعلمون . ولو تعطوها لنا نحن المهجرين سوف تتخلصون من الأثنين معا . ونعاهدكم بأننا سوف نرضى بها ونعمرها بإذنه على شرط أن لا تصلنا مليشياتكم.