English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

شرد من القوم

عبدالله داخل

إحدى مشاكل الصابئة عموماً ، ومشكلة المقيمين منهم في ما يسمى بدول الانتظار ، أنهم ، كغيرهم من العراقيين ، ربما لا يعلمون بوضوح أن الدول التي يتقدمون اليها بطلبات تأشيرات دخول لا تعيرهم اهتماما لاسباب عدة أهمها السياسية ، واعني بها طبعا أن تلك الدول تهتم بمصالحها هي قبل كل شئ ؛ ويُـضاف الى مشكلتهم هذه أن الديانة ، أو بالاصح الإبراهيميات الرئيسية الثلاث ، في الحقيقة ، تـُعقد من مشاكلهم ولا يستطيع أحد ان ينكر هذا ، رغم أن مثقفي الصابئة ، لطيبة قلبهم المتناهية كالعادة ، لا زالوا يحاولون تجنيب هذه المجموعة البشرية مشا كل جمة كانت المجموعة في غنى عنها ؛ فكانوا ، وما زالوا ، يطرحون آراءا ً تنسجم مع ما كانوا يحاولون اقناع الجميع به ، بضمنهم جمهور مجموعتهم نفســِها ، للأسف ، بسبب البيئات الهائجة والفظة إزاءهم ؛ لكن يجدر بي ان انوه بأنهم قد ربطتهم علاقات صداقات حميمة ، كعادتهم ، بمثقفين آخرين ، كثيرين ، من أديان و نِحـَل اخرى ، وكانوا يحاولون توطيد هذه العلاقات ، فلم يكونوا يُـسيئون لها بتكرار ما يقوله رجال الدين ، من أي دين ؛ لأن مثقفي العراق الحقيقيين ، من المسـلمين والمسيحيين وغيرهم لم يكونوا يعيرون اهتماماً لما يقوله رجال الدين ، انما على العكس ، كانوا في الواقع يسخرون منهم سخرية مريرة ، ويعتبرونهم رجعيين ، وكذلك الحال مع مثقفي الصابئة ؛ وهذا هو ما أود التوكيد عليه : الحكمة : أن ،الحكمة الحقيقية هي عندما يوجه العقل البشري إزاء كل شئ - وكل شئ ، دون إستثناء ، سؤاله الهائل : هل هذا معقول ؟ أنه سؤال في منتهى البساطة ، سؤال يوجهه الاطفال لأنفســهم عند مشاهدتهم أفلام الكارتون ، وسؤال أسمعه عندما يُــسِـرّني أصدقاءٌ من مختلف الاديان : هل هذا معقول ؟ فـَلْيمضِ بعض مثقفي الصابئة بجمع كل ما يمكن جمعهُ من آراءٍ تنسجم مع ما يحاولون إثباتــَـه ، مستشهدين بأمثلةٍ من كتبِ الأديان الاخرى ، مغضين النظر عن مسألة النـَّسـْخ أو في التسلسل التاريخي لامثلتهم ، وطبيعة النسخ ، فيما يتعلق بالغموض والتغيّـُرات في نصوص الامثلة ؛

كما لستُ الان بصدد الخوض في موضوع العلاقة العضوية بين هذه الاديان ، فهذا ما قد أناقشه لاحقا ً ، كما انني لستُ بصدد الفروق او النزاعات بينها ، تلك النزاعات التي جرّت الويلات على السكان طيلة قرون ، ناهيك عن النزاعات بين فئات الدين الواحد ؛ و كمثالٍ ، لا حصرا ً ، الحروب بين الامبراطوريتين الصفوية والعثمانية ، التي وضعت العراق ، وبغداد بالذات ، تحت رحمة احتلالاتهما المتعاقبة على مدى قرون ؛ فصار هذا واحداً من الاسباب التأريخية الكامنة وراء طبيعة شخصية الفرد العراقي ؛
يُفترض بنا أن ننظر بشي من الواقعية الى الامور عامة ، وفي ضوء الكثير من الحقائق العلمية التي صارت في متناول الجميع ، كما يُفترض فهم تفكك المجموعات الصابئية التي كانت تحيا في أماكن معروفة ، أغلبها في العراق ؛ أما ما يخص العلاقات بالاديان السائدة في آسيا ، عموما ً ، و بقدر تعلق الامر بالصابئة ، فهي ، في الواقع ، تكاد تُجمِع على عِدائهم ؛

لا يُـنكر ان الغرض من وراء اضطهاد الصابئة الحالي هو سياسي ، إذ ربما يعكس جزءاً من الانتقام والتصفية لبقايا النظام الصدامي ، بسبب السلوك السابق للبعض ؛ ولا يجد أحدٌ منا مسوّغا ً ولا مقدرة على الدفاع عن مواقف مدانة ؛ وسلوك هؤلاء لم يكن غريباً في زمن الدكتاتورية عندما تظاهر الجميع بتأييد النظام ، لكن ربما كان البعض ، وهم قلة ، - قلة كانت وما زالت مدانة من قبل غالبية الصابئة الذين ربطوا مصيرهم بالحركة الوطنية العراقية منذ بزوغ فجرها - أرعناً ، كغيرهم ممن اتصف برعونة مماثلة ، فانتمى ، شأنـُه شأن كثيرين من العراقيين من مختلف الاديان ، الى ادوات النظام واجهزته البوليسية ، رغم أن في تقاليدهم السلامية كثيرا من التعاليم التي تحث على النزاهة والاستقامة ، وكثيرا ً من التعاليم الواضحة والصريحة ضد الوشاية الكاذبة بالذات ، الى جانب تحريم العنف أو اي سلوك عدواني ؛ وكان ذلك أمراً طبيعيا ً في الظروف الفاشية ، ولا غرابة أن يخرج هؤلاء على تلك التعاليم ليخونوا أبناء جلدتهم وشعبهم ؛ لكننا ، إذا شئنا أن نلجأ الى الجدال والحسابات الدقيقة ومقارنة الصابئة بغيرهم ، فمن المؤكد ان النسبة ستكون لصالح هذه الاقلية المضطهدة ؛
لكن ما يتعرضون له اليوم هو مشابه لاساليب النظام السابق ، ومن هذا المنطلق قلـتُ في البَدء أنه انتقام ، وهو ما يجب أن يُدان ايضا ً وبشدة لما في الانتقام من سلوك يعكس عقلية متخلفة بعيدة ًعن روح العصر ، فكيف اذا كان الانتقام مجنوناً في شموليته ، فينسحب على الابرياء ، وهم الأغلبية ؟

في اواسط التسعينات التقيت في بريطانيا صدفة ب"شاعر" كان بعثيا ، لكنه فر من العراق لسبب لا أعلمه فكثير من البعثيين تركوا العراق خشية الاضطهاد لان الدايناصور ، في تلكم السنين ، لم يعد يجد ما يأكله فبدأ بقضم ذيله . لم يكن صابئيا لكني وجدته يعرف الكثير من المفردات المندائية التي يستعملها الصابئة احيانا فتكون مفيدة في بعض الحالات ، كلمات مثل"اسكت " أو"شرطي" أو " ردئ" ، الخ ، فكنتُ والحق يُقال محتجاً ؛ لست متديناً ، وليمض ِ و ليتعلم كل لغات العالم فلا يعنيني من هذا شئ ، لان هناك ملايين الناس يتعلمون كل يوم مئات اللغات ، لكني احسستُ بطعنةٍ لم ادرك كنهها ، أحسستُ وخزة ً في خاصرتي، وقلتُ له بوضوح أنْ لا يحق له استعمالـُها لأنها كلماتٌ دينية ، متصوراً انه قد يفهم هذا التحذير ، ثم سألته "منين لك هاي؟ " فقال أن صديقا صابئيا علمه اياها ؛ ولقد سمعتُ الأسوأ من هذا فيما بعد ، فقد صار البعض خبيثاً الى درجة كتابة تقرير الى السلطات يتضمن قائمة طويلة من تلك المفردات ومعانيها ، وبهذا جرَّد كثيراً من اهله واقاربه من آخر نسمة هواء فيها شئ من حرية التعبير؛
ومن الطبيعي ان يحصل ما هو أسوأ بكثير، من جرائم تجسس ؛ والصابئة كانوا وما زالوا يتعرضون لذات الظروف التي يتعرض لها اليوم عموم السكان . ولكن الملاحظ طبعاً أن اي تغير يطرأ على المجتمع يكون بادياً عليهم بشكلٍ صارخ بحكم كونهم اقلية ، لذا فحالهم يكون أوضح من أحوال غيرهم ، خصوصاً عند تعداد الاصابات أيام الشدة ؛

من الطبيعي أن تقف معظم البلدان ضد هجرة مواطنيها ، لما ينطوي عليه هجر الوطن من إهدار؛ أتذكر ما حصل في اوائل السبعينات ، عندما كان البعثيون يمنحون جوازات سفر لبقايا
اليهود لقاء الف دينار للجواز . ثم تهجير آلاف العوائل الطيبة المسالمة في ليلة ليلاء ورميهم على حدود ايران عشية الحرب المشؤومة مع تلك الجارة ؛ وتهجير وابادة الاف مماثلة من الشعب الكردي البطل ؛ لماذا يفكر المرء بترك وطنه اذا كان سعيدا فيه؟

وفي هذا الظرف الصعب الذي يغادر فيه كثيرون من الصابئة وطنهم العراق ، يظن البعض منهم أنهم اذا قالوا انهم اتباع يوحنا المعمدان فان الغرب المسيحي سوف يفتح ابوابه ل "ولد الخالة"!! لكنهم يأتون ليرتطموا بجدار عمان او دمشق كما ترتطم العصافير بزجاج النوافذ . ولو دخلوا في العمق من المشكلة لجاءهم الجواب واضحاً ، ربما من البابا أو ربما من عجوز تجلس في زاوية في كنيسةٍ صغيرة بقريةٍ ما في الغرب ، بأن جون كان قد قال : " سيأتي الذي لا استحق حتى أن أحل شريط حذائه ." لذا نرى كم هو رهيف ذلك الفارق بين البابا وبين مسؤول ايراني ذهب اليه يوماً وفد من صابئة ايران بعد نجاح الثورة ، والذي استمع اليهم وحدثهم وطمأنهم ، ومن ثم ، وفي طريقهم الى الخارج ، وعند الباب ، نادى عليهم بالعودة ليسألهم : " ولكن لماذا لا تـُسلموا؟" ؛ حتى وان اختلف الرواة ، أو بولغ قليلا في القصة ، فانها تشير الى ان العقليـتين متشابهتان ، وهذا امر طبيعي جدا ؛

ومن السذاجة أن نسأل كيف حصل هذا ، فلماذا اذن جاء "فـُلانـَـيـْن " الى الاهوار ؟ من الأصوب القول "فلانان" ، ولكن هكذا اختار الكاتبان اسميهما ! هل لكي يكتبا عن الحاج راكان فقط ؟ ألكي يكتبا مجموعة َ قصصٍ قصيرة لا يربطها شئٌ سوى مرور الحاج راكان في المكان ؟ من هما ؟ نعرف اسميهما ، ولكن من هما ؟ ولماذا هذا الاسم الغريب؟ عندما رأيتُ الكتاب بالعربية صدفةً لاول وهلة عام 1965 وقرأت اسم المؤلف ظننتُ ان الاسم فـْلانـِيـن، بدون تحريك ؛ صحيح ، لقد كتبا امورأ رائعة ، يجب الا يُساء فهمي ، مثل قصة شابة اسمها صديقة - تُرجِمت خطأً صادقة - ونهاية راكان نفسهِ ، ولكن ، كما يقول النواب ، وماذا بعد ُ ؟ وبعدُ وبعدُ ؟ هل كانا من المبشرين ؟ وماذا كان يكتب المبشرون ؟ وهناك "كاتب"آخر لابد أن يعرفه الكثيرون واسمه ولفرد ثـِسِـجر- يُلفظ ثسايجر خطأ ً - مؤلف كتاب "المعدان"؛ أو عرب الاهوار ، وهذا الرجل كان في اهوار العمارة في ضيافة صديقه فالح الخليفة ، من اكبر اقطاعيي العمارة ، وهو يعرف اهوار العمارة متراً متراً ، من الكحلاء الى نهاية العظيم والى ايران مروراً بالسودة والبيضة وام البنـّي ! وهو يعرف الهلال الخصيب كلـَّـه من عكا الى مكة كما يقال ؛ مقتفياً خطى لورنس في الصحراء تارة ً وتارةً اخرى خطى ابي حنيك ؛ تراه في جبال كردستان يوما ، ويوماً مخوّضا في أوحال أهوار الفرات ؛ ثم فرَّ من العراق الى غير عودة ، بطريقة درامية ، ففي ظهيرة يوم في اواسط تموز 58 : هبطت هليكوبتر على تـَـهَـلة ٍ في واحد من اهوار العمارة وأقلته الى جهة مجهولة ! فماذا كتب عن الصابئة ؟ لقد كتب فقرة واحدة من بضعة اسطر فقط كانت كافية لتشويش اذهان الكثيرين عنهم من انهم وثنيون ، رغم وضوح التوحيد في ما يتوفر من كتبهم ، واكتفى بتلك الفقرة المتجنـّية اللامسؤولة ، بل الهوجاء ، لان بقية المهام كانت بعهدة زميلته صاحبة الاختصاص ، الانثروبولوجست "الليدي" دراور زوجة المستشار القانوني في العراق ابان الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الثانية والتي كانت لها بحكم لقبها ، وعمل زوجها ، علاقة بالطبقة الاقطاعية البريطانية والعائلة المالكة خاصة ؛

يقول الكاتب غضبان الرومي في "مذكرات مندائية" أنها حاولت جر الصابئة ، بحجة تثبيت حقوقهم ، الى مشكلة تـاييد عصبة الامم ، والتي يبدو انهم كانوا في غنى عنها اولا ً ، كما يبدو ان مبادرة الرومي برفض توقيع عريضة لدراور موجهة الى عصبة الامم ، وتحريض رؤساء الصابئة على عدم توقيعها ، كانت عملا وطنياً مبنياً على الشك في مجمل النوايا البريطانية في العراق ، وقد صدق ظن الكاتب فيما بعد اذ اقدمت دراور على أن تشتكي امره ، وكان مدرساً ، الى مدير معارف - اي تربية - العمارة آنذاك خالد الهاشمي ؛ اذن فقد كانت دراور تحاول التأثير على سير الاحداث السياسية في العراق لما فيه صالح بريطانيا فقط . وهذا أمر طبيعي ؛ واذا كانت فقرة واحدة من ثِسِجر كافية لتشويه حقيقة مهمة عن الصابئة ، فهذه المرأة كتبت كتباً كاملة ، وأحياناً فصولا ً في كتب ، بلغ تعدادها ثلاثة وعشرين كتابا ً بالتمام والكمال . لذا عند صدور الطبعة الاولى من ترجمة كتابها الرئيسي - ماستربيس - ، اي مندائيو العراق وايران ، لنعيم بدوي وغضبان الرومي ، ولدى مقارنتها بالنص الانكليزي احسست بالغبطة لا لمقدمة المترجمَـيــْن وحسـْـب ، وانما أيضاً لحذفهما فصلاً او اثنين من كتاب دراور؛ كان عملاً يدل على الحكمة والخبرة وبُعد النظر ، إذ رسما في المقدمة خطاً واضحاً بين مجموعتين من الصابئة : صابئة حران والمندائيين المعاصرين ، والذي كان ، وما زال بالطبع، ضرورياً جداً رغم الصراع الذي كان لابد أنه قد جاش في ثفسـَــيْ هذين الرجلين الرائعين بسبب تلك التغييرات التي أضطـُرّا الى إجرائها ؛ وللأسف لا يتسع المجال هنا في حدود هذا الموضوع للخوض في طابع الحذف ، وهو في معظمه أمور كان قد عفا عليها الدهر ابان الترجمة مثل حالة المرأة او معاملتها أثناء الولادة..إلخ

ان معظم كتابات الغربيين عن العراق لابد وأن تكون ، كما هي العادة ، ذات اهداف سياسية ، وإن لم تكن تبدو هكذا في البدء فانها ستكون كذلك مستقبلا ً ، وقد اثبتت الحياة صحة هذا الرأي؛ ومن الامثلة البسيطة ترويج مفاهيم غريبة ممثلة ً بمجرد كلمات ذات دلالات سياسية ، أو ستكون لها دلالاتها السياسية فيما بعد . ومن تكون له الريادة في زرعها وسقايتها سيجني ثمارها الى ابد الآبدين ! إن تعابيراً معينة مثل "الشيعة في الجنوب والاكراد في الشمال" عند الحديث عن العراق في الثمانينات وبعدها تعطي ثمارها الان ، رغم الغرابة في التصنيف ، والخلط بين الدين والقومية ، وهذه العبارة شبيهة باختها "العرب واليهود" ، وهي قريبة الشبه من اعتبار ان كل من ينتقد اسرائيل هو لاسامي ، يكره اليهود ، ولكنهم يتناسون أنه اذا كان من يكره اليهود لاساميـّا ً ، فإن اسرائيل لابد ان تكون دولةً لاسامية لان العرب هم ساميـّون أيضاً ؛
وهذا لا يشير فقط الى الفوضى الفكرية في الغرب ، وانما ايضا الى الانانية في سحب هذه الفوضى الى كل مكان . وهي الفوضى الرأسمالية العتيدة والضاربة أطنابها في مناحي الحياة كافة


وربما كان للموضوع صلة