English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

إنصاف الشريفين الرضي والمرتضى من ذم الصابي

د. قيس مغشغش السعدي

كلما إرتقت النفوس تسامت في فكرها الإنساني وتعالت على المُضيقات وإنفتحت في تقبل الآخر وتقديره على أسسس بعيدة عن التعنصر أو التمذهب أو التحزب. فهذه الأخيرة ترتبط بنوازع عاطفية وإنفعالية في النفس غير المهذبة مما يجعلها متشددة في الإنغلاق على الذات والكيان فاقدة للبصر مُفـقـدة للبصيرة. أما ما يتجاوزها الى الجانب العقلاني المبني على تقدير الإنسان بقيمه الإنسانية وقدراته العامة وتقبله على هذه الأسس فذاك ما يقع ضمن معايير التمكن والإبداع والتفوق للنفوس المالكة التي يقاس رقيها برقي أحكامها في التقدير حد التميز.

ومن بين أشهر من تميز في الإرتقاء القيمي لتجاوزالعلاقة المبنية على التعصب الديني ما كان بين آل الموسوي وآل الصابي. تلك العلاقة المعروفة والتي بنيت على روح التسامح والمودة والموامقة بين النفوس على إختلاف الإنتساب الديني للذوات فيها. ومثلما أثرت هذه العلاقة والصداقة حتى صارت مثالا يستشهد به لحفظ حقوق التقدير القيمي ورعاية وحفظ الحقوق المبنية عليها بتقدير عال، فقد أثارت نوازع الإنانية والتعصب لدى البعض الآخر من الحاسدين والمتعصبين بما قاد الى محاولات النيل منها وإغماط قيمتها عن طرق الدس والتحريض.

لقد تناولتُ هذه الصداقة في إنموذجها البارز بين الشريف الرضي وأبو إسحق الصابي في مقالتي " الشريف الرضي وأبو إسحق الصابي: صداقة خلدها التاريخ" ( يمكن الإطلاع عليها في الرابط ) http://www.mesopota mia4374.com/ adad7/3.htm

ولا إستغراب في أن تـُنال هذه الصداقة بسوء السيئين. فقد أشاع المغرضون وعلى لسان الشريف المرتضى أخو الشريف الرضي ما يشينها ويقلل من قيمة العلاقة بينهما . وقد تأسفتُ أن البعض قد يصدق ذلك دون تمحيص فينقله ولو معللا. وإلا كيف يفوت الأمر الى الآن الدكتور رشيد الخيون مثلا، وهو الذي تناول الصابئة المندائيين بشكل موضوعي في كتاباته، دون أن يبحث في أساس العلاقة وأغراض الذم.

ولكي يقف القارئ على الأمر، فإنه يتعلق بالقصيدة العصماء درة شعر الرثاء التي قالها الشريف الرضي راثيا صديقه أبو إسحق الصابي بمطلعها الشهير:

أعلمتَ من حملوا على الأعوادِ أرأيتَ كيف خبا ضياء النادي

فبمقدار ما جاءت فيه هذه القصيدة معبرة عن قيمة تقديرية لما جاد به الصابي في أدبه وخلقه ورسائله وللتواد والموامقة بينه وبين الشريف الرضي، بمقدار ما أثارت الحسد والحقد في نفوس المبغضين لما كان لها من كشف وتعبير عن قيمة هذه العلاقة من جهة ومن بلاغة وجمال لفظ وقدرة تعبير وشدة تماسك جعلها من عيون شعر الرثاء بين الأصدقاء، التي مع حنق البعض لم يتوان في الإشارة إليها من جهة ثانية. وهكذا سعى من أراد التقليل من أثرها وتأثيرها أن لا يدخل مدخل بلاغة الشريف الرضي فذاك ما أعلنت شأوه القصيدة ذاتها، فذهب مذهب التجني على موضوعها بالنيل من الراثي والمرثي بعد وفاتهما في أمرين:

الأول، الإشاعة بأن الشريف الرضي لما لامه البعض وعاتبه في كيف يرثي أبو إسحق إبراهيم بن هلال الصابئ بمثل هذه القصيدة وهو على غير دين الإسلام فزُعم أنه قال: " إنما رثيت فضله"!! وكأن المتقـوّل بهذا يسحب قيمة القصيدة من الشخص الى الفضل الذي تميز به الصابي بمقدار ما كان له من أدب رشحه لترأس ديوان الإنشاء. وبهذا فإن من تجنى إنما أراد أن يقلل ، دون أن يدرك، من قيمة الشريف الرضي في أنه يرثي الفضل دون صاحبه. ونرى، لو كان ذلك حقا، أن هذا الفضل كان يمكن أن يجازى بمنحة أو هبة أو تقدمة على قدر ما يقدم المقابل ولا يصل الى درجة الرثاء بالمعاني الفياضة في معنى الصداقة الذي قدمته قصيدة الرضي متوجة للعلاقة بينهما. لقد كان القصد واضحا في النيل من تلك الصداقة ومن تقدير الشريف الرضي العالي للقيم الإنسانية النبيلة وإن إختلفت بين الصديقين ديانة في تفصيل طقس أو نهج شرع ذلك لأن كلاهما يلتقيان في توحيد الخالق خالص التوحيد والإيمان باليوم الآخر وبالعمل الصالح، وهذا لعمري التعريف الحق للدين الذي ورد في القرآن الكريم" سورتي البقرة والمائدة ، الآيتين 62، 69 على التوالي".

كما أن مقوّلوا الشريف الرضي يناقضون سلوك الشريف الرضي نفسه. فلو كان قد رثى فضل أبا إسحق وحسب، لأكتفى بذلك في قصيدته المشار الى مطلعها. لكننا نجد أن الشريف الرضي قد وجد وجزع كثيرا على صديقه الصابي حتى أنه يجيب بعد فترة من وفاة الصابي من حاول أن يخفف هذا الوجد عنه بقوله:".. الصديق الصادق والحميم الموافق أبي إسحق إبراهيم بن هلال الصابئ، فإنه كما لم يغير لي وده في حياته، رماني بالخطب الجليل من وفاته، وإنتزعه من يديَّ على حين إنضمامها على أخائه وتشبثهما بعقد صفائه، وحصوله أخا في المودة لصيقا ، ونسيبا في الفضل عريقا. والى الله أشكو دهرا حال دونه وقطع ما بيني وبينه، وأفردني عنه إفراد الأم عن جنينها والشمال عن يمينها.. إن فقده أعرى ظهري على كثرة حماتي وأنصاري، وأوحدني على أقاربي وعشائري..."

ولو كان الشريف الرضي حقا قد رثى فضل أبو إسحق كما نسب المقوّلون وليس صداقته، لما ظل الشريف الرضي حافظا العهد ومتتبعا الصداقة مع بني الصابي وعائلته، ولما ظل يذكره ويحن إليه. ولم تتوقف مراثيه على تلك القصيدة، بل تراه يكتب فيه بعد سنين قصيدتين وفي المقاطع الآتية ما يظهر المحبة بما هي أكثر من الفضل:

لــولا يـــذم الركب عندك موقـــفي حيــيت قــبـرك يا أبا إسحـق

كيــف إشتياقــك مـذ نــأيتَ الى أخ ٍ قـلق الضميـر إليك بالأشواق

أمضي وتعــطـفـني إليـك نـــوازع بتــنـفس ٍ كتــنـفس العشــــاق

وأذود عن عيني الدموع ولو خلت لـجرت عليــك بوابل غيـداق

وأخرى يقول فيها:

وقــفـنا فأرخصنا الدموع وربمــا تكون على سوم الغرام غواليــا

ألا أيهــا القبــر الذي ضـم لحــده قضيبا على هام النوائب ماضيا

هـل إبنُ هــلال منذ أودى كعهدنا هلالا على ضوء المطالع باقيــا

رثيتك كي أسلوك فازددت لوعة لأن المراثي لا تسد المرازيـــا

فها هو الشريف الرضي يقول بلسانه أنه رثى الصابي كي يسلو، ومع ذلك فقد إزداد لوعة. فهل من يرثي الفضل يكون بهذا الحس الحميم؟

من هنا تسقط مقولة المتقولين الباطلة بحق الشريف الرضي وأبو إسحق الصابي من أن الأول قد رثا فضل الثاني وحسب ويتبين مقصدها الدنيء في النيل من القيم الإنسانية العالية التي بنيت عليها علاقتهما وما تميزت به صداقتهما من روح المودة والتآخي.

والثاني، ما أشيع على لسان الشريف المرتضى المولود 355 والمتوفى 436 هـ ، فهو يتأسس على الحقد والضغينة ذاتها، ويجحد سمو نفس المرتضى وتربيته على الفضيلة والقيم الإنسانية السامية في جذر نسبه. كيف لا وهو المرتضى أبو القاسم علي بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى ابن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقد أورد البعض أن المرتضى لما سمع بقصيدة أخيه الرضي التي رثا بها الصابي في مطلعها: أعلمت من حملوا على الأعواد؟ أنه قال ( على ما زعم) : نعم علمنا، ما حملوا إلا كلبا. وقد طور البعض التقول على المرتضى بانه قال: "نعم، علمنا أنهم حملوا على الأعواد كلباً كافراً صابئاً عجلَ به إلى نار جهنم"! علما بأن عمر الصابي وصل سن الحادية والتسعين، فلم يعجل به!

إن إبطال هذا التقويل نراه في النقاط الآتية:

1- إن العلاقة التي جمعت بين آل الصابي وآل الموسوي تأسست وتوطدت على حياة والد الشريفين فقد جمعهم التقدم في الأدب والعلم والرياسة وأن كلاهما كان منحازا لبختيار بن معز الدولة البويهي على إبن عمه عضد الدولة الذي فتك بالإثنين بعد تمكنه من العراق. فقد سجن والد الشريفين كما سجن أبا إسحق الصابي.

2- ليس من المنطق أن ينسحب الشريف الرضي في مودته للصابي ويكون الشريف المرتضى مبغضا له خاصة وأن العلاقة بين الأخوين الرضي والمرتضى من أسمى علاقات الأخوة المعروفة. فكيف يذهب المرتضى أن يذم هذا الذم القاذع من رثاه أخوه الرضي بتلك القصيدة الرقيقة والمؤثرة، فكأنه بذلك ينتقد أخوه في قصيدته ويقلل من قيمته. وهو بذاك يكون مبغضا له ليجيب إجابة إستهزاء وذم على ما عظم فيه إستغراب القصد وشدة سحب الإنتباه لقيمة الصابي التي أراد الرضي الإعلان عنها في مطلع قصيدته.

3- ليس صحيحا أن المرتضى كان من خشونة الجانب وهو الإمام والفقيه والحكيم والذي كان مجلسه أو مدرسته العلمية - بتعبير أصح - جامعة إنسانية تلم شتات كثير من طلاب العلم ومريديه من مختلف المذاهب والنحل، دون تفرقة بين ملة وملة أو مذهب ومذهب. وكل هذا يقود الى أن يكون متوامقا مع الصابي الأديب الرئيس لتقدمه في موقعه وخلقه. وما عُرفتْ في المرتضى جفوة ولا هفوة.

4- سبق وأتهم الشريف المرتضى بأنه أمر بسحب الشاعر أبو العلاء المعري من رجله وطرده من مجلسه خارجا في قصة مختلقة أشير فيها الى تعصب المعري للمتنبي وكره المرتضى للمتنبي رغم أن الأخير مات قبل ولادة المرتضى. " يمكن الرجوع لهذه الرواية في مواضعها". وبهذا يكون الشريف المرتضى موضع تقوّل بما يقصد به النيل من القيمة أو الطعن في السلوك أو إعتماده أداة في الإشارة المختلقة لتعصبات دينية أو عرقية هو بعيد عنها وبريء.

5- لقد إمتدت علاقة الشريفين بآل الصابي حتى بعد وفاة أبو إسحق الصابي وكانت تتواصل وتراعى في حفيده هلال بن المحسن بن أبراهيم الصابي. فإن صدق ذم المرتضى لتوقفت وإنقطعت هذه العلاقة ولم تذكر.

6- بل، إن أمضى ما يُدحض به التجني الذي نسب للشريف المرتضى في ذمه للصابي وما يكذب ما نسبه إليه بعض الرواة دون مبالاة هو مرثيته للصابي بقصيدة طويلة تظهر عمق إتصال المرتضى بالصابي أيضا وبفضل العلاقة معه بما لا يدع مجالا للشك في إنسحاب المرتضى في المودة والتقدير أيضا نحو الصابي. والقصيدة مثبتة في ديوان الشريف المرتضى، نقتطف منها الأبيات الآتية:

ما كــان يـومــك يا أبا إسحــق إلا وداعي للمنــــى وفراقــــــي

وأشدَ ما كان الفراق على الفتى ما كان موصولا بغير تلاقــــــي

لقد أتاني من مصابــــك طارق لكنــــــــــــه ما كان كالـطـــراق

من ذا نضا عنا شعار جمالنـــا ومن رمى هلال سماءنا بمحاق

من ذا لوانا والصدى علق بنــا عـــن ورد ذاك المنهل الرقــراق

لولا حِمــامك ما اهتدى هم الى قلبــــــي ولا نار الى حــــــراقي

ولو إفتديت فداك بادرة الـردى الأقوام بالمـــهجات والأحـــداق

تهمى دما من كفه سحب الوغى من غـــيـر إرعـــاد ولا إبـــراق

إن لم تكن من عنصري فلأنت بالآداب من أهـــلي وبالأخــلاق

ومودة بين الرجال تضمـــــهم وتلفـــهم خيـــرٌ من الأعــــراق

إذن، فالشريف المرتضى لم يذم الصابي ولم ينتقص منه ولا من دينه بل رثاه كما رثاه أخوه الشريف الرضي. والمرتضى في قصيدته هذه إنما يدلل على نظرة إنسانية تعبر عن " التسامي على النفوس البشرية المعذبة بويلات العصبية الرعناء والطائفية البغيضة، والعنعنات الباطلة، المنبعثة من الجهل المطبق، وضيق الأفق المحدود. فالمرتضى كان له أسوة حسنة في جده الرسول وأهل بيته الكرام وأصحابه الأجلة، المرددين قول رب الخلق أجمعين: " يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".