مثقفون مندائيون ومحنة الضياع
( رد على الاستاذ الفاضل عربي فرحان)
في اللغة العربية وفي جميع اللغات الحية الاخرى، فان كلمة مثقف تعني اشياء كثيرة احدها من يفكر او يعقل، ومن تكون صناعته الاساسية هي الفكر او الثقافة او من يستحوذ الاشتغال بالفكر على قدر كبير من طاقته. والمثقفون هم مجموعة من الاشخاص الذين تمكنهم صفاتهم الخاصة من النفاذ الى منجزات لها قيمة ثقافية كبرى، وحسب احد فلاسفة الطليان، فان المثقفين هم اولئك الاشخاص الذين يمتلكون المعرفة، وعلى اساس هذه المعرفة الموضوعية ومع تأملاتهم الذاتية يصوغون احكامهم على الواقع، دون ان يستمدوا هذه الاحكام مباشرة او بالضرورة من خبراتهم الحسية. اما جمال الدين الافغاني فقد عرف هذه الفئة بقوله: ان المثقفين هم اولئك المتعلمون الذين يتمتعون بالروح الفلسفية النقدية، ويستخدمونها في مراجعة ماضيهم والتأمل في حاضرهم لكي يفسرا النبل الانساني، ويضيئوا الطريق لابناء امتهم ويرشدوا الى سواء السبيل.
من الواضح ان معظم هذه التعريفات تلتقي في بعض النقاط الجوهرية، ويمكن التأليف بينها في تعريف توفيقي للمثقف يتضمن العناصر التالية: المعرفة العامة، الاهتمام بأمور الثقافة، الاهتمام بالمسائل العامة الاخرى لفئة او طائفة او مجتمع المثقف.
ولكي نسمي الاشياء باسمائها متحاشين معنى المثقف الحقيقي عن المثقف الزائف ، فان الوسط المندائي شهد ويشهد حاليا نشاطا معاديا، ادى في واحدة من هفواته التاريخية المعاصرة،الى سقوط واحدة من التجربات الثقافية الجديدة، الا وهي، رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين المندائيين،التي استبشر الجميع خيرا بقيامها، ليكتسب هذا البناء ومنذ بدايات عملية التأسيس مفعوله الضاغط من قبل المؤسسين انفسهم، الا ان عدد من المثقفين المندائيين المنضوين تحت الواجهة القيادية للرابطة، توفرت لديهم القدرة في تصعيد نشاطاتهم، لا لاجل تصعيد ايجابية العمل وتقدمه وبلورته بما يليق بمكان وسمعة هذه الفئة من الناس المغضوب على امرها ، بل في الاتجاه المحدد بتهميش هذا البناء الوليد، في مسعى لتهديمه واعادة هيكلة بنائه على اسس وخيارات ومزاجات شخصية بحتة، وقد قادت هذه الاهواء المزاجية( البعض) وخاصة اولئك البعيدين عن مواقد النار التي يصطلي بها اهلنا داخل حرائق الدماء التي يعشها الوطن ،هذه السنوات، فجعلوا المشكلات الرئيسية تتراجع باستمرار لتخلي المكان لامور صغيرة، اكبر واقل ما يقال عنها بانها شخصية. وخاض (هذا البعض) حروبا ورقية من اجل الهيمنة على الاخرين، واصبحت مهمته الكبرى داخل العمل في قيادة الرابطة تمثل اختياره لهدف جديد للصراع، وفر لعدد من المستريحين في المنافي والمهاجر منطقة اغراء فسيحة ومثيرة لقضم هذا ولعن ذاك. و(هذا البعض) للاسف الشديد وهو بحكم طبيعته الخاصة في عبودية الذات، والسعي لاطلاق هيمنتها على الاخرين واثارة التحشيد وتعدد مسببات النفرة ،حاول استقطاب الاخرين بجاذبية فكرية وذكائية خاوية وبليدة، وكان مثل هذا السلوك ما يكفي لاغراق العمل في خضم صراعات مختلفة الانساب، جعلت هذه الحالة تجمعا وليدا مثل الرابطة، ميدانا للتخوين والشتم والتهرب من الاجتماعات باعذار كاذبة يكاد يتفطر لها القلب اسا ساخرا، من شدة سذاجتها ورعونتها، كما تحولت للرد على هذا وشتم ذاك، وكانها ميدانا رئيسيا للنضال التثويري الرجعي الذي خاضه البعض ايام انتمائه الحزبية والمهنية السابقة.
وما حدث هنا هو ان (هذا البعض) اتهم ولايزال الرابطة بارتكاب اخطاء وانحرافات فتمرد عليها لانه لم يحتل ما كان يحلم لتحقيقه ليضاف الى ارشفة التاريخ الشخصي ، لينتهي به تمرده، الى الوقوف على عدم الالتزام باي قرار او موقف او عمل طوعي او تنظيمي يخدم الرابطة. ولم يعد خافيا على الجميع الان، ان اتهام الرابطة بالتقصير في عملها الديمقراطي، جعل( هذا البعض) يلقي سلاحه ليحارب ليس اعدائه من الجهلة والاميين بل ليحارب بناء نزيه ومستقيم وغير طائفي، سعى الجميع الى تحقيقه ليقف جنبا الى جنب العديد من التنظيمات المهنية والاكاديمية الثقافية التقدمية العراقية.
ومن هذا المنطلق نفسه تشن هذه العناصر ضد الرابطة متهمة اياها بعدم الثورية احيانا وعدم الحسم والليبرالية احيانا اخرى، وهذه العناصر هي شأن سلفها في التنظيمات التي كانت تنشط في زمن النظام السابق ،تتعامل وتتعاطى من موقع الضد المناوىء لكل ما يدعونه من شعارات ومبادىء تخدم الانسان.
وعندما يتكلم الاعزل المستريح بلغة الثورية ، فان مصداقيته لابد ان تكون موضع شك ، فالذي لايحمل مبادىء المثقف الحقيقي ولا يجد استعدادا لتملك المواصفات النبيلة للمثقف، لايمتلك الحق في محاسبة الغير واتهامهم بالوهن والصمت المرير، ومن هنا التشبث باستمرار الصراع لاجل الصراع ، الذي يدخل هذا النمط من المعارك الجانبية، في باب المكابرة التي تمنع عن صاحبها من الاعتراف بالوضع الذي آل اليه، اعني الاعتراف بالفشل مع ما يترتب عليه من وجوب القيام بمراجعة لحساب الارباح والخسائر.
مثل هذه الحكاية عن هذا الاخر هي التي تقود الى الانتقال المأساوي من موقع التطرف الى موقع العداء مع النفس ومع الاخرين اصحاب القضية الثقافية، فبعد ان تنحل التجربة باستفاذ طاقاتها الاندفاعية المتمثلة بجهود طيبة وامينة من قبل عدد من اعضاء القيادة التي ساهمت بجد واخلاص في عملية التأسيس ، يصبح الصراع موجها ضد موقع التجربة، وان تخطته فهي تواجه الفشل. وهذا الموقع مع بقائه مستقرا ومالكا لمحتواه ومواقفه الكلامية الاولى التي اتسمت بالثورية يصبح بعد مثل هذه التجربة منكسرا ولا يستحق لقب المثقف.
لقد كشفت العاصفة التي قادها (هذا البعض) بان العديد من اعضاء الهيئة الادارية والهيئة المؤسسة محتفظ بكامل هويته المثقفة بينما تكون محاولة التخطي قد انتقلت الى موقع اخر يقف على النقيض من مسيرة الثقافة والفعل الثقافي والموقف الثقافي الحقيقي .
ان هذا ما يفسر تحول ( هذا البعض) من عناصر قيادية، الى مواقف لاتحمل خصائص المثقف ، وهي بسلوكها ومواقفها معادية للفعل الثقافي، يحكم الفشل في افعالها ومزاجاتها وسلوكها لانها كانت تضمن وجودها واستمراها بالعمل المهني من خلال جعل نفسها وبقائها مشروطا كبديل مناهض لوجو واستمرارية عمل هذا التنظيم المهني الثقافي.
وتقدم تجربة البناء الذي خضناه وطورّناه والتي لاقت دعما من جانب عدد كبير من المثقفين المندائيين ومن اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر وقوى وطنية وتقدمية ودينية عراقية، وكنا نحرص على ديمومته وتطوره المطرد، قد اثبت جديته وعزمه على الاستمرار، ولكن تصفية الحسابات الانانية، جاءت لذبح هذا البناء عوضا عن المساهمة الجادة مع الاخرين من اجل تعبيد الطريق لتكون الرابطة نافذة ثقافية عراقية جماهيرية.
من السذاجة ان نزعم ان ايا من هذه التحركات المضادة التي قام بها( هذا البعض) هي جميعا من نتاج شخص واحد، بل ساهم بها عدد من الاعضاء الاخرين ايضا، ولو كان ( هذا البعض) يمتلك قدرا ضئيلا من سمات المثقف ، لما آلت اليه الامور الى هذه المستويات الفاضحة، والعجز الفاضح عن التفريق بين موجبات النقد ومسببات التناحر، فلبست عند( هذا البعض) في الهيئة القيادية التناقضات الثانوية على الرئيسية، واستخدمت الخناجر في قضايا توجب المبضع.
ان انجازا مرموقا وطيبا كالذي تحقق في بناء الرابطة المندائية، لايمكن ان يتحقق وينمو ويتطور الا بهيئة قيادية متماسكة تجمع ما تفرق من الادوات والاساليب ،وتوحد العقول المتشتتة بعقل جماعي منظم .ويبرهن التاريخ بان الشراذم لايمكنها صنع المهمات الثقافية الكبيرة، وان مصيرها يقع على الدوام بين خيارين: اما نشاطها واستمراية عطائها الثقافي المتنور، او ارتماؤها في معسكر الازدواجية والكذب والافتراء.
فمن هو المثقف يا ترى؟
موسى الخميسي
روما