مرة اخرى عن اللهجة العراقية الدارجة
January 5, 2008
اللهجات المحلية هي نتاج تفاعل اللغات التي تحدثت بها الجماعات التي سكنت منطقة ما، وتحمل أصداء لغات الأقوام المتعاقبة. ويمكن القول بأن مختلف اللهجات المحلية العراقية (في الجنوب على الأخص)، هي عربية عامية بجذور آرامية وبابلية (أكدية)، مطعمة بتعابير وكلمات أصلها من اللغات السومرية والايرانية واللهجات الكردية والتركية والهندية وحتى الصينية. لكن اللغات ذات التأثير الرئيسي والمباشر هي الآرامية والأكدية، إذ نلمس حتى بقايا قواعد اللغة الآرامية في الكثير من الاستعمالات العامية.
حتى نقبل بما سبق، يتعين التأكيد على ما يلي:
أولاً، ، اللغة الأساسية لغالبية سكان بلاد ما بين النهرين (وشرق حوض المتوسط ومساحات من شمال الجزيرة العربية كذلك) عشية دخول الاسلام هي الآرامية، وهي لغة التفاهم بين مختلف الأعراق. ويمكن القول أن السريانية والمندائية وآرامية اليهود البابليم (التي تسمى التلمودية نسبة إلى التلمود البابلي، وهي من نفس جذر المندائية، لغة جنوب العراق)، بالاضافة الى البابلية الحديثة (تسمى الكلدانية والآثورية - الآشورية - اليوم) هي فروع الآرامية التي غطت كامل بلاد الرافدين. ولوعدنا الى فترة الحكم الفارسي الأخميني، لرأينا أن الحكام الجدد، بعد قضائهم على الامبراطورية الكلدانية، استعانوا باللغة الآرامية فأصبحت لغة التفاهم في الامبراطورية المترامية الأطراف، ولغة الدبلوماسية مع الدول المجاورة. عندها تطورت اللغة الآرامية تلك وأصبحت تعرف بالآرامية الامبراطورية. كذلك تعقدت الخارطة الدينية، وكانت المسيحية واليهودية والمندائية والمانوية والمجوسية الزرادشتية هي الأديان السائدة في وسط وجنوب العراق الى جانب أديان اخرى أقل تأثيراً. فعلى سبيل المثال انتشر سكن الصابئة المندائيون في مناطق وسط وجنوب العراق، وحتى إلى الشمال من بغداد، حيث عثر على آثار ونصوص مندائية في مناطق تكريت وديالى، الى جانب مدن نفّر وبابل وغيرها من مدن الجنوب. ولا يمكن تناسي الكثير من القبائل العربية التي سكنت جنوب ووسط العراق، وتحدث قسم منها اللهجات العربية، واستعمل آخر الآرامية (مثل المناذرة وسكان الحضر والأنباط وجميعهم عرب).
ثانياً، لم تكن لغة القبائل العربية غريبة على سكان وادي الرافدين، فهي قريبة الى الآراميات ولذلك يعتقد الكثيرون أن سكان العراق لم يلقوا صعوبة في "اعتناق" العربية بعد اعتناق الاسلام. ومع ذلك نجد اشارات وفيرة الى أن الكثير من سكان الأرياف في العراق لم يتحدثوا العربية حتى بعد قرون من الحكم الاسلامي (الجاحظ في البيان والتبيين).
دخلت العامية العراقية (ولنركز على عامية الجنوب والوسط)، كلمات سومرية كثيرة، مثل الزنبيل، الكلمة التي وصلت بعيداً، حتى الى أثيوبيا. وجاءت كلمة عربية فصيحة هي "كرسي" من السومرية أيضاً. ودخلت كلمات مثل حانوت وملاّح (ملاح السفينة) وسكّان (مقود)، ونفط وكبريت، ونعناع وكراث وعنب، وغيرها الكثير من الأكدية الى اللغات الاخرى.
ومع ذلك فالثقل الأساسي في اللهجة العراقية الدارجة هو للغات الآرامية. يستعمل العراقيون كلمة زغيرون، فما هي قصتها؟ كلمة صغير العربية صارت زِغِير، وللتحبب صغّرت أكثر الى زغيّر (إزغَيّر، على عادة العراقيين في استخراج حروف علة ثانوية، وهي عادة آرامية أيضاً). لكن ذلك لا يكفي، بل استعملوا التصريف الآرامي للتصغير الواو والنون لتصبح الكلمة: إزغيرون، إيغالاً وإمعاناً في التصغير، كعادة العراقيين في المبالغة. وكل الأسماء المنتهية بالواو والنون (سعدون، حمدون، والاسم المندائي زهرون) هي على هذه الشاكلة، تصغير. ومقابل كلمة صغير نجد في اللغة الآرامية زعورا (في بلاد الشام على الخصوص). ولثمر الزعرور صلة بهذه الكلمة لصغره، وعند قلب الراء نوناً، وهو أمر يحدث كثيراً في الآراميات، نحصل على كلمة زعنون التي يستعملها البعض للدلالة على الشيء الصغير. وكلمة زعطوط المعروفة حتى في لغة مخطوطات البحر الميت (قمران) والتي تعني طفل أو صبي، يافع، هي من زعطا، زوطا وغيرها من أشكال كلمة صغير في الآراميات المختلفة، ومنها اشتقت كذلك كلمات مثل زيطا (الطائر المعروف في العراق) لصغر حجمه.
ودخلت كلمة رب، ربّا اللغة العربية من الأكدية عبر الآراميات، وهي تعني هناك كبير وسامي، جبار، مرتفع. وفي العامية العراقية نسمع كلمة مربرب أي سمين، وأصلها أرامي كذلك (وقد خُففت في المندائية الى مرورب، أي مُعظّم ومبجل، مثلاً في الكلام عند وصف الخالق)، وهناك الرابية والربية، لأنها بنيت على قمة مرتفعة. ويستعمل اليهود (وكذلك المندائيون) كلمة ربّي التي تقوم مقام الاستاذ أو الكاهن الأعلى مرتبة، أي الأكبر، والشيء ذاته يقال عن كلمة مُربّي العربية، فهي مشتقة من نفس الكلمة.
ونذكر أن السِيان، وهو بركة الماء الراكد الوسخ، هو كلمة آرامية تعني: الطين، ويقولون في المندائية لِبنا دِ سيانا، أي لِبنة من الطين، وهي إلى جانب القصب، مادة البناء الرئيسية في جنوب العراق لآلاف السنين.
والبعض من الأسماء المتصلة بالألوان آرامية الأصل، فالسمّاق ثمر النبات الذي يؤكل مع الكباب، جاء من سماقا-سموقا الآرامية، وتعني اللون الأحمر. والورقة تعود الى يوراقا، اللون الأخضر لون الأشجار، ومرض اليرقان مرتبط بهذا اللون أو قريبه الأصفر (يرقانا، ويسمى بالعامية كذلك أبو صفار). وتجيئ هنا كلمة هور وجمعها الأهوار، فهي من هوارا الآرامية-المندائية، وتعني اللون الأبيض. ويمكن فهم ذلك، عند تصور القصب والبردي وهو يزهر في الربيع، وعندما تنعكس أشعة الشمس على المساحات الشاسعة من الماء. والتعبير الثاني عن اللون الأبيض، لبن، هو الصيغة المشتركة في اللغات التي تسمى عنوة لغات سامية (والعلم الحديث يتحدث عن عائلة اللغات الأفروآسيوية).
وبمناسبة الحديث عن الأهوار وأهل الأهوار، فأن لهجتهم هي أقرب الى اللغة المندائية آرامية جنوب العراق، ويستعملون تعابير مندائية كثيرة. وقد ذكر لي أحد سكان مدينة العمارة، أنه سمع "العُربيات" وهن يأخذن منتجات الألبان من لبن رائب (روبا) وقشطة (قيمر) الى السوق في العمارة، وقد استعملن تعبير "فرواه ماري"، وهو تعبير مندائي صرف يقابل الحمد لله (وماري تعني سيدي). وينبهنا بعض الكتاب الباحثين إلى الاهزوجة الجنوبية الشعبية "هاي وهوي وهيّه" التي هي في الأصل اهزوجة دينية توحيدية موغلة في القدم تعود إلى الفترة البابلية. ونقع على أثرها في الآراميات (ومنها المندائية) وهو: "هيا-هيو-يهيا" وتعني [الخالق] حيا يحيا سيحيا، أو كان ويكون وسيكون.
أخيراً نأتي على كلمة شروگ، شرگـاوي، فقد تشير إلى الشرق، (ومن الصعب نسبتها الى شروپـّاك، المدينة السومرية حسبما قرأت في مكان ما، فتشابه كلمتين في الصوت لا يعني شيئاً، مثل شكسبير والشيخ زبير). من جانب آخر، فإن تسمية المعدان (مفردها معيدي) قد يكون لها علاقة بكلمة الشرق فعلاً: فالكلمة الدالة على الشرق في المندائية مادنا (ونعرف أن حرف العين مفقود في اللغة المندائية، اسوة باللغة الأكدية الأم)، فهل جاءت كلمة معدان من هذه الكلمة؟
ختاماً لا يمكن نسيان تأثير اللغات الايرانية على لغات بلاد الرافدين في العصرين القديم والحديث، مع أن الكثير من المفردات اقتبستها اللغات الايرانية من الأكدية، وعادت بعد قرون ودهور لتدخل الى العربية ككلمات إيرانية، مثل كلمة فردوس (وقد استعملت في الآ?ستا الفارسية، وأصلها بابلي، كما دخلت لغات أوربية مثل اللاتينية واليونانية بعد أن اقتبسها اليهود فالمسيحيون).
ثائر صالح - بودابست