المندائيون وتحديات الألف الثالث للميلاد
طرحت في الآونة الأخيرة بعض الآراء والأسئلة التي تمس جوهر مستقبل الوجود المندائي، على الخصوص في الشتات، بعد الهجرة الجماعية التي أعقبت الإحتلال الأميركي وسقوط النظام الفاشي. وتباينت الآراء والردود على هذه الآراء في نظرتها ومنطلقاتها، وكما هو معتاد للأسف، لم توفر علينا الدخول في مهاترات.
انطلق النقاش من نقطة التعامل مع الزواج المختلط، والدعوة لرد الإعتبار إلى السيدات المندائيات اللائي اقترن برجال من خارج الطائفة. والدعوة كانت اجتماعية بالدرجة الأولى، برغم أهمية الجانب الديني في الأمر وضرورة إيجاد حل عصري لهذه القضية – فما هو مصير (وذنب) الأطفال الذين قد يقررون الإنتماء إلى الطائفة المندائية (إجتماعياً وحتى دينياً)، إلى جانب القضية الرئيسية (الموقف من الأم).
لذلك يثار السؤال: هل الطائفة في حال يسمح لها بالتخلي عن الكثير من أعضائها في أحسن الأحوال، أو إبعادهم أو حتى نبذهم اجتماعياً. ولكن الجواب على هذا السؤال يجب أن يسبقه الجواب على سؤال آخر، جوهري: ماهي هذه الطائفة؟ هل هي دين، أم قومية أم أُمّة أم جماعة أم ماذا؟ باختصار، من نحن؟
برأيي، الطائفة ليست ديناً فحسب، بل هي أكبر من ذلك: هي جماعة اجتماعية لها مميزاتها وثقافتها وقيمها ومعتقداتها الخاصة التي تميزها عن محيطها العراقي المتنوع، علاوة على دينها الرافديني الفريد. ومن الصعب في هذا الصدد الإتفاق مع تحديد الكنزبرا ستار جبار حلو للطائفة القائل "فالمندائيه ليست قوميه يحملها الفرد اينما شاء ويحتفظ بها بالانتساب والدم والوراثه لقد اسلفنا انها عقائد وطقوس وشرائع ومن لا يقتنع بهذه العقائد والطقوس والشرائع ولا يعيرها الاحترام لماذا ينتسب لها". هذا التعريف يعني بالضرورة أن المندائية دينٌ طوعي، وعلى هذا الأساس يتركه من يشاء وهذا شيء جميل وعصري، لكن بالمقابل يجب أن يعني كذلك قبول من يقتنع بهذه العقائد والطقوس والشرائع من خارج أبناء الطائفة بالإنتساب والدم والوراثة، وهناك على سبيل المثال أعداد كبيرة من المواطنين الأميركيين المعجبين بهذه العقائد ممن يرغب في اعتناق المندائية، فهل هذا ممكن؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فعلينا السماح بالتبشير وهو أمر يعارضه رجال الدين بشدة.
بالتالي يجب أن يتعدى التعامل مع الظواهر التي تمس الطائفة المنطلق الديني وأن يتكامل بالمنطلقات الإجتماعية وحتى السياسية. ولو كانت الطائفة ظاهرة دينية مجردة، لما ظهرت إلى جانب المجلس الروحاني في بغداد الذي مثل الجانب الديني مجالس دنيوية لقيادة الطائفة. لهذا السبب يجب ألاّ تنطلق مساعي الحفاظ على وجود الطائفة من منطلقات دينية صرفة فحسب، بل من منطلقات اجتماعية – سياسية بدرجة أهم (والسياسية هنا لا تفهم بالمعنى الضيق، أي التسيس الحزبي، بل بمفهوم السياسة الواسع بشأن التعامل مع الجماعات البشرية).
وبقاء الطائفة كجماعة بشرية لها ثقافتها العريقة الغنية المتميزة عن محيطها يعتمد بالدرجة الأولى على وعي الفئة المثقفة والطليعية من أبنائها (من بين رجال الدين والعامة على حد سواء) واختيار النهج والشكل الملائمين لمواجهة تحديات العصر الحديث أولاً وظروف الشتات ثانياً، والتأقلم معها. ولا يتم هذا كذلك إلا بالحفاظ على بنات وأبناء الطائفة واحتضانهم وفق سياسة سليمة وعصرية.
وإذا فشلنا في هذا المسعى اليوم ستكون النتائج وخيمة على مدى العقود القادمة، فممارسة الطقوس الأساسية من تعميد وعقد الزواج (لمن تيسر له ذلك في ظروف الخارج) من قبل أجيال اليوم غير كافية كي يتمسك بها الأبناء وأبناءهم، هم الذين سينشأون في بيئة مختلفة تماماً عن بيئة آبائهم وأجدادهم. وبذلك سيتقلص "الدين" إلى تجمعات صغيرة متناثرة هنا وهناك، بدلاً من الحفاظ على الهوية الإجتماعية المتميزة عبر إجراء إصلاح ديني شامل (بالقصب أو بدونه، فهذا ليس المهم، بل المهم هو الحفاظ على روحية وفلسفة الدين وعكسهما في حلة عصرية تتناسب مع البيئة الجديدة التي يعيش فيها مندائيو القرن الحادي والعشرين).
شهدت المرحلة التي مرت بها الطائفة إثر الهجرة الواسعة من مناطق سكنها التقليدية (في قرى ومدن جنوب العراق حيث كانت التجمعات الكثيفة للمندائيين على ضفاف الأنهار) إلى المدن العراقية الكبيرة وعلى الخصوص بغداد تطورات كبيرة في نمط الحياة ما كان بالإمكان تخيلها قبل ذلك. على سبيل المثال حلق الرجال لحاهم بعد أن كان حلق اللحية وشعر الرأس خطيئة ما بعدها خطيئة في سالف الأيام، ليس على رجال الدين لوحدهم، بل حتى على الفرد المندائي الإعتيادي. واضطرت الظروف الجديدة الإبتعاد من "ترس" الماء من النهر واستعمال مياه الشبكات الصحي في الحياة اليومية. قد لا نستطيع الآن تقدير عمق هذا الإنقلاب الثوري في حياة أبناء الطائفة آنئذ. لهذا يجب علينا التفكير في حلول عملية للمشاكل التي تواجه الطائفة اليوم وبروح منفتحة، لكن ليس عبر العودة إلى التشدد والتمسك بحذافير النصوص بل بروحيتها وبما هو مناسب للحفاظ على هذه الطائفة الفريدة التي تستحق انطلاقة جديدة – مثلما انطلقت بعد الإصلاح الكبير الذي قامت به الشخصية التاريخية الفذة، يهيا يهانا، مما سلح المندائيين بسلاح المرونة والجدال الذين تمكنوا بهما من الصمود بوجه تهديدين خطيرين، هما انتشار المسيحية وبعدها ظهور المانوية. وما كان لهذا الدين البقاء لولا امتلاكه القدرة على التأقلم مع الظروف الجديدة. فهل في المندائية هذه الجماعة البشرية المعروفة بعلمها ودأبها القدرة اليوم على التأقلم مع متطلبات وتحديات عصر العولمة والإنترنت والثورة العلمية والتقنية المذهلة؟
خاتمة:
بعد الإنتهاء من إعداد هذه الكلمة الوجيزة مباشرة وصلت رسائل الأعزاء د. صهيب الناشي والترميذا د. عصام الزهيري، الرسائل التي أنعشت الأمل في النفس بوجود افق يلوح للقيام بعمل ما من أجل الحفاظ على هذه الطائفة الدينية والجماعة البشرية التي هي وريثة حضارة وادي الرافدين بحق. وتحقيق فكرة إنشاء المجلس الروحاني في المهجر وانعقاد مؤتمر خاص لمناقشة مستقبل الطائفة هما من الشروط الضرورية للخروج من المحنة الحالية، ويجب على المؤتمر الخروج بنتائج ملموسة وليس إصدار البيانات والخطابات، ومن بين النتائج المطلوبة تشكيل لجان في الشؤون الدينية والدنيوية للطائفة تتألف من اختصاصيين، ووضع ضوابط واضحة لعملها وتحديد مهامها وبرنامجها بدقة. وهناك بعض الشروط التي تساهم في إنجاح هذا العمل الجبار، منها:
• على مؤسسات الطائفة وأبنائها تقديم كل الدعم والمساعدة لإنجاح عمل هذه اللجان الذي سيكون شاقاً ومضنياً وطويلاً،
• على الإختصاصيين في الطائفة (وهم كثر) إسناد عملها بأبحاثهم من أجل الخروج بنتائج مشرفة وحلول عملية ومقبولة على الصعيدين الديني والسياسي – الإجتماعي،
• من المستحسن كذلك الطلب من المتخصصين الأجانب المساهمة وإبداء الرأي،
• توثيق ونشر الأبحاث المقدمة إلى هذه اللجان في مختلف الشؤون على شكل سلسلة من الكتب والمجلدات، وتشجيع البحث العلمي في هذا الشأن،
• دراسة ما تطرحه الحركة الدينية الغنوصية المعاصرة (يونغ وأتباعه مثلاً) والإستفادة من ذلك (في طرح حلول للظواهر المعاصرة مثلاً)،
• التوجه إلى المؤسسات الدولية (مثل اليونسكو التي أنتبهت إلى ضرورة حماية اللغة المندائية) والعلمية بهدف الحصول على الدعم الممكن للحفاظ على هذا التراث الرافديني النادر.
وكنت قد دعوت في رسائل سابقة – مثلما دعى آخرون - إلى البدء بعملية إصلاح شاملة للدين على غرار ما حصل في بعض الأديان الأخرى، وأرى أن هذه المنابر – تشكيل المجلس الروحاني في المهجر وعقد مؤتمر خاص لوضع آلية تقديم الحلول – هي الخطوة الصحيحة في هذا الإتجاه. وأدعو كل الأخوات والأخوة إلى المساهمة في مناقشة هذه الأمور بروحية متفتحة وإيجابية ومسؤولة.
ثائر صالح