الـورد وحـده يسـتحق الأنحـاء
فللـوردة أنحـني .. لا للطاغيـة
في ذكـرى رحيـل المناضـل خيـري يوسـف مظلـوم الحيـدر
أيمان خيري الحيدر
كان طريق العودة الى بغداد عام 2004 طويلا" وشاقا"، سلب من عمري خمس وعشرين عاما" ودار بي في متاهات المنافي التي تلقفتني بشرقها وغربها ، جنوبا" وأخيرا" شمالها .
أجتزت الحدود بعد مفارقة كادت تؤدي بحياتي وحياة السائق الذي تعهد بأيصالي الى أحضان أمي ، ليستقبلنا أطفال وصبية سلبت منهم الطفولة يبيعون المرطبات والبنزين المسروق على قارعة الطريق ، وكان ثمة رجال منشغلون بتفكيك العوارض الحديدية للأرصفة والطريق الخارجي الممتد بعيدا" فأستبشرت خيرا" عنما ظننت أنهم يفعلون ذلك لأعادة بناءه أو أصلاحه ، لكن السائق خيب ظني بعدما أوضح ضاحكا" من سذاجتي أنهم يسرقونه !!! .... نعم يسرقونه !!! ، هكذا في وضح النهار وامام أعين الملأ وكانت تلك أول غصة لي .....
وأخيرا" ... هاي هي بغداد تفتح لي ذراعيها مرحبة شاحبة حزينة وتنفض عن جسدي غبار الطرقات الموحشة ، البيوت كلها تتشابه، سرقت منها هي الأخرى ألوانها وحدائقها واكتست جميعها بلون رمادي أو بني مغبر ، وأصبحت بغداد مدينة بلا ألوان . أحسست أن حزنا" عميقا" خفيفا" قد وزع رائحته في الهواء والماء ، في حفيف النخيل ، في أحاديث الناس ونظراتهم ... حينها أدركت ان رحلتي تلك بين السويد وبغداد هي رحلة بين الثلوج والحرائق ، هي رحلة بين شطرين من الروح والجسد والذاكرة .
كان اللقاء بأمي وأخوتي بعد ربع قرن حلما" عصيا" على الأستيعاب ، أذ لم أكن أتصور وانا في غمرة يأسي أنه يمكن للمرء ان يحقق أحلاما" عصية عن التحقيق كحلم لقائي بهم . كانوا قد هيأوا ما أستطاعوا تهيأته ليبدوا الفراغ أقل حجما" ، ولكي أتقبل حقيقة رحيل الوالد ابا حازم بأقل انكسار ممكن ...عبارات اللهفة والحب والترحاب لم تخفف ريح الأسى التي كانت تعصف بيّ ، ولم ترق الى ما كان يضطرم بي من ألم ، تطلعت حولي وأتجهت الى غرفته المكتظة بالحنين ولهفة الأنتظار ، كل أشيائه ، صوره ، صور العائلة وصوري الأثيرة لديه ، إلاّ هو ... عندها فقط أدركت أن أبا حازم قد رحل حقا" بعد ان أخذ النصف الجميل من دنياي .
أسابيع ثلاثة من الذهول والعزلة الصافية والأسى، أعتكفت بها في محرابه أبحث عنه بين رفوف مكتبته ، بين ما تبقى من كتبه وقصاصات الورق الخافية بين صفحاتها في ثنايا مذكراته ، رسائله وسطوره ... تجولت في حديقته ، شممت عطر زهوره ، تفيأت في ظل نخلته الشامخة ، قيل لي ان الكثير من زهوره يبس بعد رحيله ... لم أستغرب الأمر وأنا التي أدرك تماما" أن روحه كانت ستبقى مع نبض عروق شجيراته وقلوب براعمها الغضة وأنه أودع في قلب كل وردة بعضا" من عصارة روحه وجمالها.... ولا يمكنني ان اتصور ان أنسانا" كأبا حازم عشق الورد والجمال والحياة بكل جوارحه الا ان يحب ويمنح بلا حدود مثل مطر خريفي هادئ ينهمر وادعا" فيروي الأرض دونما ضجة أو إدعاء ، وهكذا كان حتى في رحيله هادئا" وادعا" مواسيا" ، فقد كتب وهو على فراش الموت بأصابعه المرتجفة التي أعياها المرض رسائل التعزية والمواساة الى أقاربه الموزعين في المنافي يواسيهم فيها بوفاة خالته المرحومة ( أم أنيس ) بعد ان بكاها أحر بكاء ... حينها أنتابني أحساس مهلك ، هو ان بيتنا لم يعد كما كان وان شيئا" ما وفي الصميم قد أخذه معه هذا الأب الكبير ، ربما هو عمق عاطفته الجياشة أو ثقل الأنتظار والأحساس بي عن بعد بما ينتابني من عثرات أيامي في غربة طالت . وما جدد في أساي ولوعتي انه لم يمت بين يدي وأنه لم يقرأ في عيني حجم فجيعتي عليه تلك اللحظة ... ان لوعة كهذه لابد وان تظل حارة ومتجددة في اعماق الروح ما حييت ، وكان أساي عظيما" عظمة حبي له وخاصة خصوصية علاقتي به وكتب لجرحي ان يظل موحشا" عصيا" على الأندمال ، وكانت أمي مرآة لوعتي وانا أراقب انكسارها .. ثمة شئ كسر بداخلها وأطفأ بريق عينيها الجميلتين رغم محاولاتها البائسة إظهار قوتها وتماسكها . وشاح في حزن عميق خفي ووحدة مريرة كان يغلف أعماق روحها .. شئ كان أقسى وطأة عليها من فواجعها المتلاحقة بفقدان أهلها وأخوانها واحدا" أثر الآخر بين شهيد وفقيد وهم في عز الشباب .
كان أبا حازم أبا" محبا" متفانيا" في تضحياته ، أنسانا" نبيلا" ، راقيا" بأنسانيته ، ناكرا" لذاته ، سياسيا" مناظلا" ، شيوعيا" نقيا" صارما" في ترسيخ المثل الأنسانية التي آمن بها ، أحب الناس بشكل عميق وحقيقي ، مربيا" فاضلا" ، عشق مهنة التعليم وأخلص لها ، عشق النخيل والهور والقصب والبردي وكان وطنا" لأحلام فقرائه وكادحيه ... لتلاميذه قدم زهرة سنين عمره عطاء" وحبا" وللسجون جذوة عناد وكبرياء وشموخ ، فأبى ان ينحني لسجانيه وكان يردد دوما" عبارته الخالدة .. ( الورد وحده يستحق الأنحناء فللوردة فقط أنحني .. لا للطاغية ) . وكانت حديقته التي تعبق بجوريها ورازقيها ، ملتقى الرفاق والصحب ومنتدى للثقافة والأدب والسياسة والحوار الجميل ، فأبى ان يغادرها وأبى إلا ان يدفأ تراب العراق جسده الطاهر وكان عذبا" وجميلا" في موته الصامت الشامخ .
ولكي يأخذ رحيله شكله النهائي ، كان لا بد من زيارة قبره ، فقد كان موته في داخلي فكرة أكثر منه أمرا" واقعا" ، حين دخلت المقبرة التي نمت بشكل مخيف وأستقبلتني شواهد القبور أدركت أن حصتي من الموت كانت باهضة .. كنت أقرأ بعيني الدامعتين أسماء الأجداد والجدات والعمام والخوال ، أبنائهم وأحفادهم ، قبور تراصت يحتظن بعضها البعض غطتها الأشواك والطحالب وكان الكثير منها مهشما" أو مسحت أسماءه ، آثار حرائق أنتشرت هنا وهناك ، وكان الدرفش الذي يعلو ضريح الجد المرحوم ( ياسر الحيدر ) قد أطيح به على الأرض مهشما" ألا أن ذلك لم ينل شيئا" من مهابة رقدته الأخيرة .
تلاشت الغصة في حلقي وجفـت عبرتي وأنا ألاحـق بعيني شواهـد القبـور لأعـزاء غيبتهم الحروب والأمراض والحسرة ... تفحصتها مجـددا" أبحـث عن أسماء أخرى ، وعبثـا" ألتقت عيناي بحجر ذكرى للخال نافع عبد الرزاق الحيدر وهيثم ناصر الحيدر وسمير جبار حامي الذين غيبهم نظام صدام حسين المقبور .. أمي التي قرأت بحدسها افكاري في تلك اللحظة قالت بزهو ان التراب الذي أحتضن شبابهم قد استحال بخورا" وحناء لأعراس الزمن الآتي ....
وألتقيت أبا حازم أخيرا" يرقد شامخا" مهيبا" محاذيا" رفيق عمره ودربه الشهيد ستار خضير الحيدر كما أوصى ، وهكذا كان لقائي بأبي في ذلك النهار الموجع ، لقاء الأحبة ، لقاء الأبنة الضائعة التي أعياها الأنتظار خمس وعشرون عاما" للقاء ، أب أيبس قلبه الحنين وأنهكته الوحشة لكنه كان أكبر من الموت ، شئ لا يموت ، يظل يرافقني أبدا" ويمدني بالقوة ، ذلك هو الحنين لك يا أبي ومعلمي الأول ، لرويتك تستفئ ظل شجرة في الحديقة مستغرقا" في قراءة كتاب أو استمع لحفيف دشداشتك البيضاء تداعب أذيالها نسيمات أمسية صيفية عذبه وانت منهمك في سقي ورودك .. لكفيك الممتدتين اليّ بحفنة من ورود الرازقي تدعواني ان ننحني معا" لبرعم جديد .
خيري الحيدر ... بطل وهب حياته للشعب والوطن
فائز الحيدر
يوما بعد آخر يخسر وطننا العراق خيرة رجاله المخلصين الذين قدموا كل ما يملكون من عطاء وتضحيات ، في سبيل الشعب والوطن ، واليوم نتحدث عن بطل خسرناه منذ سنوات عدة ولكنه بقي خالدا" في ذاكرة كل من عرفه ، خسرنا بطلا" كان مثالا" حيا" لمعاني التضحية الصادقة والعطاء والقيم السامية ذلك هو... المرحوم خيري يوسف مظلوم الحيدر
ولد ابا حازم في ناحية الكحلاء / محافظة العمارة عام 1925 ، من عائلة مناضلة ارتبط غالبية شبابها بالحركة الوطنية ، وأنهى دراسته الأبتدائية والثانوية فيها ، ثم التحق بعدها بدار المعلمين الأبتدائية في بغداد وتخرج منها عام 1944 . وبعد تخرجه عمل بجد ونشاط في مجال التعليم في عدد من مدارس المحافظة ، وفي تلك الفترة الصعبة من تأريخ العراق وتصاعد الحركة الوطنية واشتداد رياح النضال السياسي وانتفاضة الشعب في وثبة كانون الباسلة عام 1948, وتخاذل الرجعية والطبقة الحاكمة امام المد الثوري دفعه حسه الوطني للألتحاق بصفوف الحزب الشيوعي العراقي حيث نذر حياته لحرية الوطن وسعادة الشعب .
بعد اشهر قليلة من الأنتفاضة ... بدأت الأجهزة الأمنية بالمرحلة الثانية من عملها وهو الانتقام واسترجاع هيبة الحكومة وتوجيه الضربة المناسبة للقوى الثورية وعلى رأسها الشيوعيين ، وكان بينهم المرحوم ابا حازم حيث تعرض جراء مواقفه الوطنية تلك للسجن والتعذيب والتشريد الا ان هذا لم يمنعه من مواصلة طريق النضال العنيد حتى اصبح بعد سنوات احد كوادر الحزب النشطة العاملة بخط الفلاحين في محافضة العمارة متنقلا" بين أقضيتها ونواحيها حيث تواجد الأقطاع والسراكيل من جهة وتنامي الحركة الوطنية من جهة ثانية .
كان أبا حازم يصف ايام عمله بين الفلاحين البسطاء ومعاناتهم وهم يناضلون ضد الأقطاع ووحشيته من اجمل ايام حياته فتعلموا منه وتعلم منهم الكثير ، تعلم منهم الطيبة والبساطة والصبر والمعاناة وحب الأخرين ، كان رفاقه الفلاحون يلقبونه بنخلة البرحي التي احبها كثيرا" ، تلك النخلة التي اعطت الكثير من تمرها وسعفها وجمارها وخلالها وكربها . ونتيجة لذلك تعرضت عائلته الى مداهمات رجال الأمن شبه اليومية بحثا" عنه أدت في النهاية الى اعتقاله وتعذيبه لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة نضاله بين صفوف الفلاحين لسنوات طوال ، وبسبب مضايقات الشرطة ورجال الأمن المستمرة أنتقلت العائلة في بداية الخمسينات الى بغداد وبالذات في محلة فرج الله في شارع الكفاح حيث واصل فيها عطاءه ونضاله ونشاطه السياسي حتى أندلاع ثورة الرابع عشر من تموز / 1958 حيث عمل بنشاط في خط المعلمين ونقابتهم الأمر الذي عرضه من جديد الى المطاردة والأعتقال خاصة بعد انتكاسة ثورة تموز .
اعتقل ابا حازم وادخل السجن في الأيام الأولى للأنقلاب الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 حيث تم التحقيق معه من جديد وفصل من الخدمة وعـذب بوحشية وتنقل ما بين سجن الموقف العام في بغداد وسجن الحلة مما أدى الى تدهور حالته الصحية لكنه بقي صامدا" أبيا" لم ينحني للطغاة .
عندعودة البعث من جديد في عام 1968 تم اعتقاله وعذب مرة اخرى ودخل السجون وفصل من الخدمة مرة اخرى ، الا انهم لم يستطيعوا ان يكسروا شوكته ومعنوياته العالية ، وبعد اعادته للخدمة مع بقية المفصولين السياسيين عمل في مدرسة عكاظ النموذجية واصبح مديرها لسنوات عدة حيث قدم عصارة جهده لطلابه وساعدهم على تلمس منابع الفكر التقدمي والنور حتى عام 1979 حيث احال نفسه على التقاعد .
في عام 1970 ومع اشتداد الحملة الدموية لتصفية الحزب الشيوعي العراقي ومطاردة اعضاءه وبعد ان ضاقت بيّ السبل للأختباء لم أجد أفضل من بيت ابي حازم ليعطيني الدف والحنان والرعاية وتعلمت من خبرته الطويلة الهدوء والصبر والسرية في العمل ومواجهة الصعاب وحب الشعر والأدب ونحن نتناول قهوتنا العربية مساء كل يوم فهو معي في كل صغيرة وكبيرة بأرشاداته وتوجيهاته ... لقد كان أبا حازم عزيزالقلب ، قمة في الأخلاق وقدوة عالية لطلابه واصدقائه وعائلته فتعلموا منه الشئ الكثير ، تعلموا منه الشهامة والشجاعة والمروءة والتواضع والحكمة وحب الوطن والشعب .
كان طيب القلب وطيبة قلبه تتسع للجميع ، ذو روح متسامحة تجعله دائم الحضور بين افراد العائلة ومحبيها في الأفراح والأحزان لأنه احد اقطابها وبحضوره الدائم وبقلبه الكبير وحكمته البالغة وحواره الهادئ وبكلامه الموزون كان يجد الحل لكل ما يعترض مسيرة العائلة الكبيرة من مشاكل واحداث طارئة ويرد البسمة على شفاه من حوله . ولم تكن جلسات العائلة لتحلوا دون مساهمته بتعليقاته البليغة وذاكرته الشعرية وأمثاله ومحبته للجميع ، لقد كان بهيا" في قلوب من أحبوه وأحترموه وسيظل دائما" ، واستمر الحال كذلك حتى وفاته وبسبب تدهور حالته الصحية احال نفسه على التقاعد عام 1979 وتفرغ للكتابة والمطالعة والعناية بحديقته الغناء والتي تتوسطها نخلة البرحي التي تذكرة بالعمل بين صفوف الفلاحين حتى وفاته في 22 / 1 / 1998 أثر مرض عضال وبذلك فقدت عائلة الحيدر أبنا" بارا" من أبنائها الميامين
لم تمت يا ابا حازم لانك بحق اديت الرسالة الشربفة بكل امانة واخلاص ، فذكراك في قلوبنا دوما" .
ما أبجـيك ...أغنيلـك مـواويـل
لأن كلـشي ابصفاتـك هــوّة مــوال
آذار / 2008