English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

عَن ايّةِ ( توبـــــة ٍ) نتحدث ؟!
بقلم /عبد الجبار السعودي*
الأول من آذار - 2008

كمقدمة ، لفكرة الموضوع الذي سأكتب عنه لاحقَ كلماتي، لابد لي أن أعرض على القراء نموذجاً لما يردني من حين لآخر من رسائل بائسة على الياهو ماسنجر أو عبر الأيميلات الشخصية من كلمات يستهجنها العقل البشري والمنطق العلمي والأخلاقيات السامية ! وحتى لا أطيل في مقدمة موضوعي هذا ، اليكم الآتي الذي وردني عبر الياهو ماسنجر ..
mady_love1111 (20/01/2008 12:58:19 م):
( يارب الجهاز يضرب ويندوز. وكارت الشاشه يطير ويجيلك فيروس يخليك تفرمط الهارد وفى الاخر الهارد يتحرق ويبوظ ، لو ما قلت (لا اله الا الله محمد رسول الله )، لوما تعود للتوبــة و تبعثــــه لكل الناس اللى عندك)
( أنتهت الرسالة )

هذا نموذجٌ ،لواحدة من الرسائل القصيرة والكثيرة التي ترد على بريدي الشخصي والتي تدعوني في بعضها الى ( التوبــة ) أو تلك التي تتجاوز في مضامينها الى حد السب والشتم البذي أو التصفية الجسدية !
هذه الرسالة وغيرها أحتفظت بها منذ ذلك الوقت .. منذ تأريخ ورودها لي، على أمل أن أعلــّق عليها لاحقاً، لولا أنشغالاتي الكثيرة والمتعددة وكذلك العارض الصحي الأخير الذي لازمني قبل الشهر تقريباً والذي تلى ورود هذه الرسالة !! ولكن حال الأيام و شجونها و ما يجري من أحداث حولنا ومن مفاهيم ، قد أعادني اليها الآن وتذكرت محتوياتها ومعانيها بعد أن تلقـفت نظراتي آخر ما كتبه أحد رجال الدين قبل أيام مضت على صفحة الياهو المندائية وهو يدعو الآخرين الى التوبة ، لأن أحد ٍ ما قد قال رأياً أو وجهة نظره في موضوعة ٍ ما .. قد ناصبها و دافع عنها العلم الحديث و العلماء و شواهدهم وأحاجيههم وأستنتاجاتهم العلمية الدامغة والمتقدمة منذ مئات السنين وعشرات السنين .. ولا زالوا !
إذن نحن نقف أمام مفهوم قديم متوارث و متجدد وخيارٌ آخر يصاحبه، يُطرح علينا ، لكي نعتقد ، أو نتوب إن لم نعتقد ! مفهوم شامل و واسع في نظرته للطرف الآخر .. مفهوم أقصائي و متسلط و أرهابي و رافض ( تحت سبق الأصرار ) لما يعتقد ويعيش فيه الآخرين !
وحتى لا ندخل في باب الأتهام والتشكيك في وجهات النظر الأخرى، دعونا نذهب أولاً وبشكل سريع ومقتضب الى الأصول التي نشأ عليها مفهوم ( التـــوبة ) حتى أصبح ( بعبعـــاً ) يهدد الصغير في طفولته وهو يحدو في أولى خطواته البريئة والواثقة نحو رحاب العيش والحياة المفعمة بالأمان دون عنف أو حرمان، والكبير الذي ( كــبُرَ ) أيضاً والذي تلاحقه أوامر السلاطين والأستبداد والهوس الديني والدنيوي على مرّ العصور، حتى ولوجهِ وهو جامد الجثة في سريره الترابي الأبدي !
دعونا نذهب الى ( التوبــــة ) وما أرتبط بها من مفهوم آخر أصبح ملازماً لها ، ألا وهو العقاب ! و بمعنى آخر أشد وضوحاً ومتلاحق ، علينا أن نذهب الى مايمكن تسميته من مفهوم قديم و متجدد ومعاش .. أما ( التــوبة ) وأما ( العقــاب ) !!
وكما هو معروف أن مبدأ العقاب قد ظهر منذ آلاف السنين وأرتبط بحياة الأنسان البشرية و صراعاته المريرة من أجل البقاء والعيش مع الطبيعة ومع الآخرين من حوله ، وظهركذلك أيضاً قبل نشوء الدولة كنظام أقتصادي وأجتماعي و سياسي ثابت يجمع عموم الناس في حيز جغرافي معين ، حيث أخذ في المجتمعات البدائية صفة التأديب لما يرتكبه الناس آنذاك من أفعال كالسرقة أو القتل أو الأغتصاب القسري أو غيرها من الأفعال المضرة التي تهدد وحدة وكيان تلك المجتمعات . ثم أخذ العقاب لاحقاً في مجتمعات العشيرة والقبيلة صفة الانتقام الفردي او الجماعي ( الثأر ) وما لبث ان تحول الى نظام ( القصاص والديــّة ) وفقا لقاعدة العين بالعين والسن بالسن التي شرعها الملك حمورابي في قوانينه آنذاك ... ثم تطور مفهوم العقاب هذا مع تطور المجتمعات ومع نشوء الدولة والانظمة القانونية وأخذ شكلا اكثر تطورا حيث ظهرت الغرامة المالية وفرض العقوبة على الجاني فقط وتنوعت العقوبات حسب حسب الفعل الجرمي والجريمة ونوعها وشكلها وتاثيرها.

وقد جاءت الاديان السماوية المتعاقبة وغيرها من المعتقدات والمذاهب لتي سبقتها و المتلاحقة، بالعقوبة، لمن يعصي أوامر هذا المعتقد أو ذاك وأفكاره أو رجل الدين هذا أو ذاك ، حسب المفهوم العشائري والقبلي المتوارث ، وأخذت العقوبات هنا طابعاً أكثر إيلاماً و ترهيباً و قسوة ، ألا وهو ( التكفير عن الخطيئة ) التي سنــّها رجال الدين المختلفين كلّ حسب مذهبه ومعتقده مستندين الى موروثهم الديني والدنيوي أيضاً والى سلطاتهم التي آثروا أستغلالها وأستثمارها لفرض هذا النهج أو ذاك في مسيرة مجتمعاتهم . ومع هذا كله فقد عرف المجتمع الانساني عبر مراحل تطوره المتعاقبة ( التوبــــة) حسب طبيعة كل مجتمع و درجة تطورة و سلطة حاكميه، حيث كانت قاسية و مريرة على ( رافضيها ) احيانا ولها صفة الوحشية الدموية احيانا اخرى، كقطع الأطراف أو الاذان واللسان أوالدفن أو الحرق حيا أو النفي القسري الى أماكن أشد إيلاماً في التعذيب الجسدي أو النفسي الى غيرها تلك التي شهد لها التأريخ البشري عبر أحداثه العديدة. ونتيجة لهذه الظروف المختلفة والمتقلبة من مجتمع لآخر و بسبب الآثار الأجتماعية والنفسية وحتى الأقتصادية التي تركتها تلك العقوبات ولتفسير مفهوم العقاب قام ( الفقهاء والمشرعين والقانونيين ) وثاروا على وحشية هذه الأجراءات التعسفية ونادوا بقانون جزائي عادل يحترم انسانية الانسان وآدميته وأحقيته في الجدل والتعبير بغض النظر عن أي شيء اخر وحقه في الدفاع عن نفسه، فطالبوا بألغاء العقوبات البدنية الشديدة القسوة تلك وظهرت مبادئ التدابير المسبقة لما يمكن أن يقوم به هذا الطرف أو ذاك من بني البشر، فظهرت الأحكام القضائية المتعددة والمختلفة عبر مئات السنين وتم سن القوانين الجزائية وما شابهها.
أما في عصرنا الحديث والأيام التي نحياها ، فنحن نسمع و نقرأ الكثير عن ( التوبة ) و الناطقين بها ، بل وأن مستخدميها كمفردة لغوية من مؤسسات و كقوانين ومشرعين كما أسلفنا ، وكذلك من أدباء و شعراء ومطربين وممثلين قد وجدوا لها حضوراً مستساغاً في نتاجاتهم الكثيرة ، فمنهم من ألزمها على حياته الشخصية ، كتعبير عن مواساة ومعاناة قد عاشها ، وأتخذها وسيلة للصلاح النفسي من أجل الظفر بما يريد و يرغب به ، فها هي الفنانة المطربة مائدة نزهت تغني :
( جرّب حظك .. يا كَلبــــي و حب النوبــة ..
ما يصيــر بأوّل مرة .. تكَــــول التوبــــــــة ).
وهاهو الراحل عبد الحليم حافظ يقسم بأغلظ الأيمان أمام محبوبته من أنه لن يعود اليها ثانية ، وهو المتعذب والمتوسل لها من أجل أن تعود اليه هو وحده، لا غير :
(( توبــــة .. توبــــة .. توبـــــة ، إن كنت أحبك تاني توبـــة .. بس قابلني مرة و تبقى دي آخر نوبــــة .. أو بعدها .. توبـــــة .. توبــــة ) ، وغيرهم وغيرهم من الفنانين الذين جسدوا مفهوم ( التوبة ) العفوي البرئ في نتاجاتهم المتعددة ..
وما دمنا في شؤون الفنانين، فإن ( التوبــة ) التي أعلنتها الفنانة المصرية ( حنــان التــُـرك ) وأرتداءها للحجاب وأداءها الصلاة و فروض دينها الأخرى ، قد ذهبت بها بعيداً وبشكل خطيرالى حد التطرف في مواقفها وسلوكها ومشاعرها، ونظرتها الى مفاهيم الصلاة كواجب مفروض من عند الخالق! ففي لقاء معها عبر الهاتف في برنامج تليفزيوني عُرض قبل فترة مضت.. قالت ( الفنانة حنان ) وعلى أسماع الملايين من المشاهدين و ببركات من رجل الدين الضيف :
( لو أنا بقـتــل قـتيـــل دلوقــتي .. وأدّن الآدان ، حاسيب القـتيل واروح أتوضـّـى واصلــّي .. وبعديـن أرجع أكمـّـل عليه قــتــــلْ .. دي وجهة نظري في الصلاة ) !!

فأية ( توبــــة ) هذه التي عادت اليها حنان الترك الممثلة الفنانة ؟ وأية أفكار سوداء و شريرة و متخلفة دفعتها لكي تسلك هكذا سلوك في حياتها الحالية ؟؟! هل هي الأخلاق السامية للأديان أم أن ذلك هو الأنجراف والأندفاع العاطفي والهوس الديني الخطير التي غلف حياتها لاحقاً كما يغلف حياة الآخرين من أمثالها؟!
أما في الواقع المؤسساتي والأعمال المختلفة التي يتداولها الكثيرين من الناس ، فإننا نجد أن للتوبة أيضاً حضورها الفاعل في أعمالهم، لكن بشكل آخر بعيد عن الأملاء والقهر و التخويف. إننا لانجد وقع خطير وكبير على ما يزاولوه من أعمال خاطئة قد يرتكبوها ، قد يجبرهم عن أعلان ( التوبة ) أمام مسؤوليهم ، بل أن حياتهم المهنية تستمر طويلاً بعد أعترافهم بفشلهم أو في تقصيرهم في عمل ما .. فالطبيب أو المهندس قد يرتكب خطأ ما .. في عمل ما .. لكن أمامه طريق طويل لتقويم هذا العمل الخاطيء والعودة عنه وأصلاح ما يمكن أصلاحه من خلال البحث العلمي المدروس والمتواصل مع العلوم ومستجداتها ، دون الحاجة الى الرجوع أو الركوع الى رجل الدين وأستغفار ربه وطلب رحمته ! وهو بالتالي يحتفظ بوظيفته المهنية التي هو عليها، وكذلك المعلم و كذلك العامل وغيرهم من أصحاب المهن العلمية التي لها مقوماتها ولها مبرراتها الأجتماعية والأقتصادية، دون أن يكون للدين وفقهاءه دخل في وجودها وفي وجود علومها وفي وجود وأستمرار هذا العالم أو ذاك العامل !

وحتى لا أذهب بعيداً في ذلك ، وخصوصاً أن قـــرّاء هذا الزمن العسير والقاسي لا يكاد أن تجد بينهم إلا القليل الذي يعشق السرد الطويل في القراءة والمتابعة ، حيث ولــّى كثيراً زمان متابعة ( الأدبيات ) و ( كتب الفلسفة ) والأقتصاد والسياسة وأندحر أمام المعلوماتية الجديدة و زمن العولمة وأجهزة الكومبيوتر وما ترميه من خدمات مثيرة الى متابعيها عبر القراءة السريعة والسهلة والمتيسرة عبر برامج الأنترنت ، فأني سأحاول ومن حيث أبتدأت أن أعود الى رسالة المدعو ( مــادي ) و تمنياته الوحشية الخائبة والمفلسة في أن يَعطلْ جهاز الكومبيوتر الذي أعمل عليه ، وخصوصاً وأن ( إيمانه الشديد ) هذا بدينه و بمعتقده حد التطرف قد دعاه الى أن يصوغ عباراته هذه و بهذا الشكل البائس و المضحك والمبكي معاً ، ولهذا فإني أقول له سريعاً ، لربما أنه سوف يقرأ كلماتي هذه عبر صفحة الياهو أو عبر المواقع الأخرى ..

لو كان معتقدك يا ( مــادي ) هذا الذي تدافع عنه و تؤمن به، رغم ما سيـُلحق بي من أذى أجتماعي و معنوي وأنساني وسط مجموعتي البشرية التي أعيش معها، لو كان معتقدك الذي تدعوني اليه لكي أعتنقه أكثر أنسانية و متجاوباً مع معطيات ومتطلبات العصر الحديث على أقل تقدير من أحترام حق الأنسان في العيش والتفكير والمعتقد و دون ترهيب أو دماء أو قطع رؤوس ، لما ترددت وأنا الأنسان الحر في آرائي و معتقداتي في أن ألجأ اليه وأشاركك فيه الأعتقاد ! لكني وأنا المذبوح مع مجموعتي البشرية التي أعيش معها، بكل هذا التأريخ الدموي يا ( سيد مادي ) أو ( يا سيدة مادي ) وبكل هذه الوحشية التي أسمعها وأراءها، فإني أدعوك أولاً الى أن تبحث عن وجهة أخرى أقـلّ هواناً و ضعفاً وأندحاراً ، وثانياً أن تلتزم الهدوء مع نفسك ومع تلك المعطيات التي حدثتك عنها، وأن لا تنتظر ، لا مني ولا من غيري الذين يفكرون على شاكلتي، وحتى من أبناء معتقدك الذين يرفضون توجهاتك القسرية بهذا الشكل، لا تنتظر منا إلا ما تقرأه من هذه الكلمات التي تطالعها جيداً ! أما الكومبيوتر وبرنامج الوندوز و كارت الشاشة والهارد، فهي تنطق حية و تتفاعل مع كلماتي هذه التي أكتبها لك الآن، بل و تدعوني للمزيد منها يا ( مـــادي )، لأني أتعامل معها على كونها منتجاً علمياً له حقائقه و ثوابته ، وليست أوراقاً مستهلكة صفراء تعبث بها غيبياتك المفلسة و المستهجنة ! لكني بالمقابل، سأقف فرحاً ومعي الكثيرين، لما سيؤول به الزمن والحال أمامك لو أني وجدتك قد أسترجعت بعض من رشدك و عدت الى حيث ما يقوله العلم والمنطق وما تقدمه كل أجزاء الكومبيوتر هذه من حُسن نية صادقة وهي تخدمك و تخدم غيرك من هم على شاكلتك من جهلة ، وعندها سوف تكون ( توبتـــك ) المنتظرة والأبدية الى تلك الأجزاء العلمية من الكومبيوتر والى صانعيها و مبتكريها، لا الى من أومى اليك وأنت المنقاد الى هذه الخرافات الهوجاء والعمياء وهذا التنطح والتدليس والمتاجرة بأسم الأديان التي تغلف رأسك وأفكاره وهي تعود بك الى حيث كهوف وجبال ( تــورا بــورا ) في شرق أفغانستان!
أما عن ( التوبـــة ) التي يدعونا اليها أحد رجال الدين في رسالته المؤرخة في 25 -02-2008 والمرسلة على صفحة كروب الياهو المندائية ، فلا بأس من أن يطلقها ( التـوبة ) و يصرّح بها أمام الملأ ، فهذه قناعته الشخصية بما يدور حوله من مفاهيم وما يدركه من أفكار و توجهات تفرض عليه كرجل دين أن ينطق بما يريد ، لكني لا أعطيه الحق ، كما هو غيري في مصادرة قناعاتي الشخصية بما أطرحه من أفكار ومفاهيم تدعمها الحجج العلمية والمادية التي تناولتها وأتناولها الآن ومستقبلاً في كتاباتي اللاحقة، دون أن أهدد أحداً بها . لا أعطيه الحق على الأطلاق ، في أن يجعل من عدم ( توبتنا ) التي يريدها هو أو غيره تحت عبارات جاهزة و مغلفة ، ( ضلالة ) و( أنحرافاً و تهديماً ) لما يريدنا هو أن نؤمن به من خرافات و غيبيات ، أو ربما ( تخويناً أو تكفيراً ) في المستقبل ، كما يفعل السلفيون في هذه الأزمان والأوقات ومن مختلف الأديان، وهم يتدخلون حتى بجزيئيات وتفاصيل حياة الناس اليومية ويصدرون الفتاوى تلو الفتاوى بشكل مخزي و معيب وجاهل ومغيّب للعقول وللأجساد ، لايمت للأديان بصلة ما .. لا من قريب ولا من بعيد !
لم يعد أحدنا بأطفال حضانة أو روضة نتعلم تحت عباءات التخويف بمفاهيم ( خضرة أم الليف) أو برمز ديني نتج عن معتقد ما .. في فترة مـــا ، والتي يريد البعض أن يسوّقها هذه المرّة من جديد عبر شعارات أكثر حداثـــة وأكثر بريقــاً ومن بلدان العلوم والتمدن هذه المرّة !
رجل الدين ومنذ القدم ، ولظروف عديدة وتأريخية معروفة .. وجد له مكانة متقدمة في علاقته مع الآخرين بأعتباره ( مصلحاً ) و ( مرشداً ) لهم يعينهم على تلمس طريق الصواب في سلوكهم اليومي والعودة عن أرتكاب المعصيات والآثام و السلوك المنحرف . رجل الدين أيــّـاً كان هو القدوة في التعامل بالحق والعدالة والنزاهة والدعوة للخير في سلوكه و تصرفاته مع الآخرين ، ناطقاً بها دون مواربة أو خشية من أحد ما و دون تملقاً لطرف مـــا . رجل الدين الصادق الصدوق هو القدوة المتفتحة والواعية المنتظرة لأن يأتلف ويتضامن مع بقية رفاقه من رجال الدين و يزيلوا خلافاتهم من أجل صلاح ما يمكن أصلاحه في ظل هذه الظروف القاهرة ! لأن يكون أيضاً أكثر أنفتاحاً على العلم والعلوم ، شغوفاً بها ، محاججاً الآخرين بما يعتقد وبما تعلــّم ويتعلم ، وعاقداً للمقارنات بين هذه الحجة أو تلك .. ومحارباً لمفاهيم وثقافات الخرافات والغيبيات التي عفت عليها الأيام والتي لاتجد لها دعائماً قوية أمام القوانين و الحقائق العلمية المعروفة.
عند هذا و ذاك ، وعندما يتيقــن عامة الناس كل ذلك ويتلمسون أفعال رجال الدين أيــّا كانوا، فإنهم سيلجأون حتماً و بشعور واع و مسؤول الى مفاهيم الدين وأخلاقياته في الحدود الدنيا منها ، ويشكلون مع رجال الدين المصلحين أئتلافاً قوياً يوصلهم الى أهدافهم التي يسعون اليها في أرضاء الناس والمجتمع وتقدمه وصلاحه. أما إملاء الشروط والواجبات والأفكار و تخويف الآخرين وأرهابهم وألزامهم ( بالتوبـة ) أو مواجهة ( العقاب ) الألهي ، فهذه وحسب معطيات الزمن الحالي لن تصمد كثيراً وقد ولــّت الى غير رجعة ، فالعصر الحالي يشهد صراعات قوية وقفزات نوعية من أجل تثبيت المفاهيم الأساسية لحق الأنسان في العيش الكريم وفي الأعتقاد دون أكراه أو تخويف أو تخوين من أحد .
العصر الحالي يشهد تعزيزاً لحق الأنسان في أن يحاور و يجادل و يشارك الآخرين دون وصاية من أحد أو خنقاً لحرياته . العصر الحالي يشهد و رغم الأخطار المريرة التي يواجهها بني البشر، تحولات كبيرة في المفاهيم العلمية والأنسانية المتقدمة وتعزيزاً لدورالمعلوماتية المتسارعة التي تضفي على الأنسان وحياته تحولات أخرى مصاحبة في طريقة سلوكه وتفكيره وعيشه و رخاءه الأقتصادي والأجتماعي ، وكذلك على تطلعاته في أن ينفض عنه آثار التخلف المتوارث منذ آلاف السنين ، والذي لايزال البعض مصراً على التلويح به من حين لآخر في محاولة للعودة بنا الى ثقافات الكهوف الصحاري وعصور الأساطير والجواري وما أفرزته لاحقاً من ثقافات محلية متعددة ، هي الأخرى قد نهجت و سلكت نفس السلوك المتوارث منذ القدم في ترويع الأنسان والتلويح له بالعقاب و تطويعه لكي يقبل بالواقع المرير الذي يعيش فيه و يُرتهن.
لاخشية من العودة الى الأخلاقيات التي تنادي بها جميع الأديان منذ خلق المعمورة ، فهي ليست حكراً على أحد وليست من نتاج هذا الدين أو ذاك وأفكاره وحسب ، بل أن هذه الأخلاقيات السامية ، قد وجدت لها حضوراً قبل نشوء الأديان المعروفة بآلاف السنين وتطورت مفاهيمها و عناوينها بعد ظهور مصلحين أجتماعيين تمثلوا بالفلاسفة و المفكرين وما تلاهم من أنبياء و ُرسل.. ومن بعدهم من مصلحين آخرين وحتى يومنا هذا . السلوكيات الأخلاقية السامية لا تعني أننا أسيري عهود ماضية وسابقة قد أندثرت وعلينا الأنصياع لما هو خرافي و جاهل ومتخلف وأهوج لايصمد أمام المتغيرات الجديدة . بل أن العلوم نفسها تلك التي لا تستند على أخلاقيات متعارف عليها تكون منبوذة و مرفوضة من قبل الكثيرين في هذا العصر!
كنت أتمنى على رجال الدين المندائيين الآخرين أن يسهموا معنا في نقاشاتنا بشكل مستمر حول المفاهيم المطروحة للنقاش هذه الأيام وأن يدعموا أفكارهم و مفاهيمهم بالحجج المنطقية والعلمية ، وأن يجيبوا على الأسئلة الكثيرة التي تواجه الكثيرين في حياتهم اليومية بروح من العلمية المستفيضة ، دون اللجوء الى نفس ( القوانـــة ) القديمة التي حفظناها منذ الصغر والتي آذتنا وآذت الكثير من قبلنا وليومنا هذا تحت طائلة الخوف والتهديد بالعقاب المبطــّن وما تلاه لاحقاً من مفاهيم ( التوبـــة ) التي يُراد منها أن تكون قامعة لكل الأفكار والسلوكيات الواعية.
همس أحدهم عبر الأنترنت قائلاً .. وماذا بعد ؟
أجبته و بحرارة ..
أتشوق كثيراً لحوار ( مادي ) ورفيقته ( السعلوّة ) !!
* * *
* عضو الهيئة الأدارية لرابطة الكتاب والفنانين والصحفيين الصابئة المندائيين.