أحتفالية خالدة لا تُنسـى بعيون الصغار !
جاءت ذكريات المقالة التي كتبها الأستاذ عربي فرحان تحت عنوان : ( أنا والقائد الكردي الخالد المرحوم الملا مصطفى البارزاني ) على صفحات كَــروب الياهو المندائية بتأريخ الرابع عشر من أبريل/ نيسان الجاري 2008 ، لتعود بذاكرتي الخصبة الى تلك الساعات التي عاشتها مدينة البصرة منذ ساعات الصباح الأولى لذلك اليوم والأخبار المتداولة على ألسن الناس آنذاك حول الحدث المرتقب ! فالأحداث التي تـُحفر في ذاكرة الصغار و خصوصاً تلك الجميلة منها، لا تمحيها هموم السنين ومواجعها ، بل أنها زادنا الذي لا نزال منه ننهم في كل لحظات قسوة الأيام و وحشة التغرب هذه .
وصف جميل بأحداثه و بأشخاصه الذين تحدث عنهم الأستاذ أبو رغيد ، وهو بهذا يُعتبر خزيناً كبيراً للذاكرة العراقية التي يراد لها أن تتآكل وسط هذه الموجات الشديدة والقاسية من الأقصاء و التغرب و الأبتعاد القسري وأحداث العنف التي هبت على العراق و العراقيين وأنستهم حتى طعم أيامهم الجميلة التي عاشوها !
لا زلتُ أتذكر جيداً و بعد كل هذه السنوات الطوال ، ذلك اليوم الربيعي الجميل من أيام البصرة والساخن بساعاته وأحداثه كباقي أيام السنوات القلائل التي صاحبت قيام الجمهورية العراقية بعد عام 1958 . اليوم هذا الذي وصفه أستاذنا الجليل هرعت فيه حشود كبيرة لا يمكن تقدير أعدادها ومن أؤلئك الذين قدموا من المدن و القرى الجنوبية القريبة من البصرة ( وبعضهم أقارب لنا ) و تجمعوا قبل ظهيرة ذلك اليوم في شارع الكورنيش الذي يطل على شط العرب من جانب المدينة، حيث أغلقت العديد من الدكاكين أبوابها ومنها محلات الصاغة وفي كلا السوقين ( الصيادلة ) و ( الخضيري ) و خلت شوارع الأزقة في مركز المدينة إلا من القليل من روادها ، وأفترشت العوائل التي هرعت في أيام الربيع النضرة تلك، الفسح الخضراء الممتدة على أمتداد ذلك الكورنيش الذي يمتد طوله لما يقارب الكيلومترين، تتخلله أشجار اليوكالبتوس والصفصاف العالية وأشجار ( تكي العجم ) وغيرها و الممتدة طويلاً في سنوات عمرها وحيث تتشابك عالياً في أرتفاعاتها من كلا جانبي الشارع ، حتى لا تكاد تشاهد وأنت تحدق عالياً أية فسحة من السماء من جراء ذلك العناق في أغصانها الخضر ! أما الكازينوهات الكثيرة التي كانت تصطف على ذلك الشارع ، فقد أزدحمت هي الأخرى بالعائلات منذ ساعات مبكرة من الظهيرة ، حتى أن بعضها قد أقفل أبوابه بوجه الزوار لعدم توفر أمكنة كافية للمرتادين اليها ! وظلت ساعات النهار المتقادمة والمتلاحقة تشهد أزدحاماً في شارع الكورنيش تصاحبه كما أشار الأستاذ أبو رغيد الفرق الشعبية الموسيقية التي أخذت تجوب شط العرب جيئاً و ذهاباً مستخدمة المراكب الصغيرة ( الماطورات ) والأبلام المعروفة ومنها بلم ( العشاري ) المعروف وغيرها من وسائط النقل النهري الصغيرة .. وتجمعت هنا وهناك مجموعات من الشباب مع طبولها و الدفوف التي تناغمت أيقاعاتها مع ( تخشيبة )( الصفكَــــة البصراوية ) المعروف بها البصريون تحديداً !
البعض من النسوة أفترشن عباءاتهن على أرض تلك المساحات الخضر المحاذية لشط العرب ومعهن سلال الخوص الممتلئة بالطعام و خبز البيت والصمون والخضروات و ( ترامز) الماء المستوردة المعروفة حينذاك الصينية الصنع، ذات الغطائين، الأول من الفلين ( التبدور كما يسمى ) و الثاني من المعدن، وذلك تحسباً لأمتداد الأحتفالات لساعات طويلة، على الرغم من تواجد أصحاب بيع الماء المثلــّج وعربات بيع ( لفات السندويج ) ( بيض و عمبــــة ) على أمتداد الشارع و زواياه وعربات بيع ( السمبوسة والفلافل ) التي أشتهرت بها البصرة لوحدها حينذاك ! و أنتشر في تلك الساعات أيضاً باعة الخس في عرباتهم الخشبية المعروفة ( بعرباين الدفع ) والتي يرتكن في جانب منها ( تنكة معدنية مملوءة بالماء ) ينظف فيها رؤوس الخس ( أبو الطوبة ) كما يحلو تسميته ! وجانبهم على أمتار من هؤلاء ، هنا وهناك إبتداءً من ملتقى نهر العشار بمدخل شط العرب و حتى نهايته وعند جسر الخورة ، باعة ( طلع ) النخيل ( الطلـــّيع ) الذي يكثر بيعه في تلك الأيام بسبب موسمه المعروف .. وكان لباقات ورود الجوري والآس وعطرها الأخاذ حضوراً عند الباعة الآخرين! أما أصحاب عربات الكرزات والمعروفين بأسماءهم وهم يجوبون العشار كتقليد يومي أو يتمركزون في أماكن ثابتة معروفة لكسب مصدر رزقهم ، فقد وجدوا في ذلك الحشد الكبير والهائل من الناس ومن تلك المناسبة والأحتفالية فرصة للكسب الوفير والسريع ! أما الذين لم يمتلكوا عربات من ذلك النوع ، فقد كانت صوانيهم مملوءة بأنواع أخرى من المملحات مثل ( الباصورك ) و ( الجقجق ) و ( العنجكة ) ! كما كان لأنتشار أصحاب ( عرباين ) الدوندرمة المصنعة محلياً وبمهارة و بخلطات لذيذة وكذلك ( العلعودة ) و ( الليدي ستيك ) و المرطبات المعروفة مثل ( البيبسي و السينالكو بنوعيه الأحمر والأصفر و الكوكاكولا و الصودا )، وجوداً في ذلك المكان و اليوم البهيج !!
أما ( تومان ) تلك الشخصية الشعبية المعروفة التي أصبحت علامة مميزة في حياة البصريين اليومية في تلك السنوات وما تلاها، لما يقدمه من ( قفشات ) و ( مواهب فنية لا توصف ) و ( حركات تمثيلية ) وهو يجوب شوارع مركز المدينة ( العشار ومقارباته من محلات وشوارع أخرى ) مع أعلانات الأفلام السينمائية الملصقة على لوح خشبي مستطيل الشكل يحمله أثنان من عمال السينما على أحد الكتفين يتقدمهم تومان ، وهو يقدم دعايته لتلك الأفلام التي تعرضها دور السينما المعروفة في البصرة ( الوطني ، الحمراء ، الرشيد وغيرها ) بطريقة ممتعة لا تخلو من الفكاهة و الطرافة مقلداً أصوات الممثلين و المطربين ومغنياً بأقتدار مذهل ، بلغات أجنبية منوعة ( أنكَليزي ، هندي ، فرنسي ، أسباني ، فارسي ) ، ومقلداً أصوات المطربين الكبار كفريد الأطرش وعبد الحليم وغيرهم و يتخلل كل ذلك عزفه للناي ( الماصول ) بطريقة مبتكرة عبر أنفه وبطريقة غير معهودة على الأطلاق وبأعذب ما يعزفه أشهر عازفي الناي المعروفين !!
( تومان ) هذا أبن البصرة الفيحاء في أيامها تلك ، ذو السحنة السمراء الداكنة و هيبته التي ينفرد بها دون غيره ! كان لهذه الموهبة الفذة حضوراً جميلاً في ذلك اليوم ، حتى أخذ الصبية الصغار والشباب يجوبون معه شارع الكورنيش المزدحم وهو يُمتع الجميع ويُضحكهم بتعليقاته وأغانيه و أيماءات جسده الذي يتمايل بحركات مذهلة وغريبة وهو يتوقف عند هذه الزاوية أو تلك ، لكي يقدم للجمهور وعلى الهواء تلك المواهب الفريدة التي لا تتكرر، ليس في تأريخ البصرة لوحدها، في تأريخ العراق وحتى يومنا هذا !!
في الذاكرة التي تسعفني جيداً أن الباخرة ( جورجيا ) وهي كبيرة وضخمة للغاية، في عيوننا نحن الصغار قد ملأت الأجواء صخباً بصفيرها وهي تقترب شيئاً فشيئاً الى الممر المائي الطويل الذي يخترق مركز مدينة البصرة ، وكانت الأعلام الملونة التي تـُعرف بها السفن البخارية قد وشحت زواياها وأمتدت بنسق جميل بين طوابقها المتعددة ، إضافة الى أعلام أتحاد الجمهوريات السوفياتية الحمراء آنذاك.
تعالت هلاهل النسوة وأمتزجت مع قرع الطبول وتدافعت جموع الناس لتقترب من حافة الشاطئ المكتظ تماماً و رفع الكبار صغارهم فوق أكتافهم وحول رقابهم ، لكي يـُشبعوا فضولهم برؤية ما يريدوه وما يتطلعون اليه ! و سادت تلك الأجواء هتافات ، لم نفقه كثيراً معانيها ، سوى ما حفظناه لاحقاً من أغنية .. هربجي كرد وعرب رمز النضال !! و رغم الفترة القصيرة للغاية التي تباطئت فيها الباخرة في منتصف الممر المائي المذكور لكي يحيّي ركابها و ملاحيها جموع الناس المحتشدة من بعيد ، فأنها قد واصلت رحلتها لاحقاً و ببطء ملحوظ و هي تطلق صفيرها العالي الذي أمتزج مع صيحات و هتافات الناس نحو ميناء المعقل كما أشار الأستاذ أبو رغيد !
لم يهدأ الشارع حينذاك في ذلك اليوم ، بل تواصلت الأحتفالات على طول أمتداداته و الشوارع المؤدية اليه ،و أضيئت في ساعات المساء تلك المصابيح الملونة الزاهية التي عانقت أغصان الأشجار و ديكورات الكازينوهات والبنايات الممتدة على طول كورنيش العشار وبناياته بأكملها والكثير من بنايات المدينة و شوارعها ! و أنطلقت ومن موقع حديقة الأمة الغنــّاء المعروفة و الواقعة في الثلث الأخير من ذلك الشارع ومن أحدى زواياها الألعاب النارية ولأول مرة في تأريخ مدينة البصرة أحتفالاً بالمناسبة هذه وملأت أجواء السماء ألواناً زاهية و بريقاً و لمعاناً أضاء مياه شط العرب و غابات نخيله الكثيف الذي يغطي مساحات واسعة وممتدة في الضفة الأخرى لشط العرب وحيث يقع قضاء ( التنومة ) المحاذي للحدود الأيرانية ! وأجمل ما في ذاكرة ذلك المساء أن الألعاب النارية التي أستوردت كما سمعنا لاحقاً من جمهورية الصين الشعبية ، قد أضاءت وأفصحت وهي تنفجر في الأعالي ، شعار الجمهورية العراقية الخالد والمعروف ! وكانت هي المرة الأولى التي يشاهد فيها مثل هذه التقنية في صناعة الألعاب النارية كما سمعنا وعرفنا لاحقاً !
وما في الذاكرة الخصبة عن تلك الأيام الجميلة ، أن الباخرة التي أقلت مجموعات الأكراد العائدين و أنزلتهم في ميناء المعقل ، لم تشأ أن تغادر موانئ البصرة دون أن تترك لها ذكرى أخرى جميلة لدى أبناء المدينة ، فبعد أيام قلائل من رسوّها في ميناء المعقل، عادت لتقف في منتصف الممر المائي المقابل لمركز مدينة البصرة ، وتحديداً أمام الجهة المقابلة لفندق ومطعم ( جبهة النهر ) المعروف الذي يقع في بدايات شارع الكورنيش. وقد نـُضـّم كما يبدو برنامجاً لزيارة السفينة للوفود الطلابية والعمالية و النسوية وغيرها أحتفاءاً بقدوم السفينة التي أقلت الثوار الأكراد ! وكانت المفاجأة الممتعة و الخيالية لي وأنا في سنواتي التي تجاوزت الست بقليل آنذاك، أن أكون بصحبة والدي وأصعد فرحاً وخائفاً في نفس الوقت الى ظهر تلك السفينة ضمن مجموعة من الرجال، لم يكن لي علم بهم سوى أنهم من معارف الوالد وكذلك بصحبة أحد أصدقاء العائلة من الأخوة الأكراد الفيليين الذين كانوا يعيشون بأعداد كبيرة في البصرة حينذاك والذي صاحبنا للصعود الى تلك السفينة ! وكان ( كاكــه علي ) هذا وهو أسم صديق الوالد ، صاحباً لمطعم كباب يقع بجانب الباب الخلفي لـ ( الصيدلية الوطنية ) لصاحبها الحاج صادق ( أبو رياض ) والتي تقع في شارع المغايز التجاري المعروف، وهو صديق حميم لوالدي في تلك السنوات التي شهدت تعايشاً أنسانياً مستقراً لا مثيل له ترك أثره على الحياة والعلاقات الأجتماعية و الأقتصادية معاً، كما كنا نلحظ ذلك من خلال مظاهر الأحتفالات الكبيرة التي كانت تقام على مدى الأعوام الأربع من عمر الحكم آنذاك .
كان التجوال وألتقاط الصور على ظهر السفينة الزائرة ( جورجيا ) كما أذكر يتم من قبل البحارة السوفيت والعاملين على ظهرها وهم بملابسهم الزاهية البيضاء و الزرقاء ، وألتقط أحد المصورين العراقيين وعلى ما أتذكر، المصوّر( قاسم ) صاحب ستوديو قاسم المعروف وهو المصوّرالوحيد المتواجد آنذاك مع الزائرين ، العديد من الصور التذكارية للحضور الصاعد الى ظهر السفينة ! وأستمرت الزيارة عصر ذلك اليوم لما يقارب النصف ساعة ، تلتها زيارات أخرى في نفس اليوم لمجموعات أخرى من الوفود ، تضم رجالاً و نساءً وبأبهى وأنقى ما لبسوا !
كانت لدى صديق والدي، ( كاكه علي ) عدداً من الصور وهي تجمعني معهم وغيره من وفد نقابة العمال على ما يبدو ! لكني بحثت في مجموعة منها منذ أن قرأت مقالة الأستاذ أبو رغيد ، فلم أعثر على واحدة تشير الى تلك الزيارة المشهودة للسفينة ، ولا أدري إن كان والدي قد أعادها الى صاحبها أم لا في تلك الأيام، أم أنها فقدت بعد ذلك في عملية الترحال مع العديد من الحاجيات والتي صاحبت أنتقالنا كعائلة مجتمعين الى كركوك بعد أحداث عام 1963 العاصفة ! وما وجدته محفوظاً للآن عندي صوراً لتلك الأماسي التي كان يقضيها الصاغة و معهم ( كاكه علي ) في البارات المعروفة والمشهورة آنذاك !
في طريق عودتنا من تلك الزيارة الممتعة بمركب صغير ( ماطور ) أقلنا الى ضفة الكورنيش ، كانت لوالدي مفاجأة أراد أن يتركها لنا كذكرى أخرى جميلة وفي نفس اليوم المذكور، فقد أدخلني بعد أن عبرنا الشارع المحاذي لمديرية تمور البصرة ومعنا صديقه، الى ستوديو ( آرام ) للتصوير،( فينوس حالياً ) الذي كان يقع في شارع الوطني المعروف ( شارع الأستقلال ) والعائد للمصور الأرمني الشهير آرام ( وأسم والده لا أتذكره تماماً ) ، لنصوّر لنا معاً صورة ، قال عنها والدي أنها ستبقى للذكرى في هذه المناسبة ! أتركها هنا على هذه الصفحة للقراء في نهاية أسطر الذكريات هذه ! وأستمرت بعد ذلك أمسية الصديقين الحميمين ليلاً في ( بار الشعب ) المعروف الذي يقع في نهاية شارع الوطني في محلة السعودية !
وكان تأريخ تصوير تلك الصورة التذكارية كما موضح عليها في الحادي والعشرين من نيسان 1959 وهو يوم زيارتنا و صعودنا للباخرة ( جورجيا ) و بختم أستوديو المصور آرام !
لا زلت أتذكر تلك الساعات و تلك الأيام التي عاشها الناس ببعض من تفاصيلها الجميلة و البهيجة في عيون الصغار و الكبار معاً ، وكما سرد بعض منها الأستاذ أبو رغيد، صاحب الذكريات الثرة والغنية بأحداثها و بشخوصها الذين صاحبهم في رحلة العمر الطويلة والتي ستبقى أرثاً كبيراً لحقبة من تأريخ العراق الحديث و تحديداً لتلك السنين وأحداثها الدراماتيكية التي ضاعت وسط الصراعات الدموية و غياب الفطنة والحكمة السياسية لأطراف السلطة آنذاك وللأحزاب التي لم تستثمر ثقلها الوطني و الشعبي في تعزيز منجزات الجمهورية الفتية آنذاك !
لم يبق من تلك الأيام سوى ذكرياتها التي عاشها أبطالها بكل التفاصيل ومنهم الشخصية الوطنية والعسكرية اللامعة الأستاذ عربي فرحان !
تحية جميلة و غالية لهذه الروح والذاكرة الخصبة الغنية و مواكبتها لتلك الأحداث التي لم يتم توثيقها للأسف الشديد عبر أية مؤسسة ثقافية لحد الآن !
تحية من صغار تلك الأيام الى رجالها الأبرار .. ولمن يحيا منهم، العمر المديــــد والمعافى !
عبد الجبـــار الســعودي
21 نيسان- أبريل 2008