انتصار المثقف المندائي
موسى الخميسي
ليس اعظم من مثقف يخوض معركته ضد نفسه وينتصر. والمعركة ضد النفس تتخذ اشكالا عديدة: شكل تجاوز المثقف في نتاجاته الجديدة كما كان قد سبق له ان بلغه من مستوى، شكل تمكن المثقف من التفوق على من يريد ان يضعه في خانات معينة سواء اكانت دينية بحتة او سياسية او ايديولوجية او اجتماعية معينة، شكل خروج المثقف من الانغلاق على ذاته للالتحاق بالمدى الانساني الفسيح. ومما لاشك فيه ان حياة المثقف وعمله انما يتحلقان على الدوام من حول قدرته او عدم قدرته على التصدي لهذه التحديات ولغيرها: تحديات الابادة الجماعية التي يتعرض لها ابناء طائفته، تحديات التعبير عما يطمح ان يحققه وتحديات التغيرات الذاتية التي تتمثل بقدرته على انتزاع نفسه من اسر السلوك الازدواجي الذي يقع فيه اسيرا في العمل الديمقراطي والمهني.. الخ
من هنا نقول ان اعظم معركة يقيض للمثقف المندائي ان يخوضها، هي معركته ضد ذاته وجمودية وازدواجية هذه الذات، ونضيف ان اعظم انتصار له هو انتصاره في مثل هذه المعركة.
غير ان هذا لايمنع من الاشارة الى مسالة اخرى ترتبط بما نقول: مسالة حق المثقف المندائي في ان يقف عند معاركه وانتصاراته ليجعل منها مثلا يعطي دروسا يلقنها للاخرين . ففي عرفنا ان انتصار المثقف في معاركه امر ينبغي ان ينعكس في نتاجاته وابداعاته ومواقفه وانتماءاته وعمله المهني والديمقراطي، دون ان يتحول الى سلاح يشهره في وجوه اولئك الذين قد يتصور هذا المثقف انهم لم يحققوا ما حققه من انتصارات، فان تحول الانتصار على الذات الى سلاح لطعن الاخرين وافشال عمل مؤوسسات وتجمعات ثقافية بسبب انانية النفس وكذبها وطموحاتها في التسلق الرخيص الذي يرتكز على ظاهرة التطير وروح التآمر على الآخر ، يفقد هذا الانتصار ليس معناه فقط، بل جدارته ومصداقيته ايضا.
نقول هذا الكلام دون ان يكون في ذهننا بالطبع، مثقف واحد معين، انما حالة اصبحت عامة للاسف اصابت حياتنا الثقافية المندائية في الفترة الراهنة، فافقدتها كثيرا من نكهتها المرجوة.