جواب لرجل الدين الجليل يوهانا النشمي
الغرض من السؤال الذي طرحه الترميذا الجليل يوهانا النشمي حول ماهية المندائية، هو تغذية وتوسيع مجال العلاقات بين المثقفين والروحانيين المندائيين كرموز لعالمين ثقافيين مختلفين ، والغرض من السؤال ، هو تحديد ملامح الشخصية المندائية كحصيلة حضارية ومعرفية ودينية والتي نشأ تحت تأثيرها الانسان المندائي.
على الرغم ان الحضارة الواحدة لايعني انها تنتج شخصية مطلقة التماثل لجميع افراد هذه الطائفة او تلك، لكن لابد من الاعتراف بحتمية اختلاف سكان اي جماعة في بعض الصفات الذهنية والعاطفية والسلوكية. ولكن مع وجود الاختلافات السلوكية فان حضارة وثقافة اي مجموعة اجتماعية تمنح بعض انماط السلوك اعلى درجات التفضيل وترفض البعض الاخر، وهناك طابع وطني للشخصية وطابع قومي، الا اننا نود التاكيد في بداية مداخلتنا هذه على اتجاهات الشخصية المندائية الاساسية ولا نتجاهل حالات التنوع والتغاير التي تلاحظ في شخصيات المجتمع المندائي بصورة عامة، وان تشخيص هذه الصفات يعتمد بصورة عامة على مبدأ الانتاج الحضاري، فالباحث يضطر احيانا الى جمع المعلومات الوصفية الاثنوغرافية عن الجماعة ثم يستخلص منها التركيبات النفسية والخلقية التي يتصف بها الاعضاء. وتساعد الطرق البحثية المتوفرة في علم النفس والاجتماع على تحديد نقاط التطابق بين ما يظهر في السلوك النفسي و الاجتماعي وبين ما يقابله من الدوافع النفسية الخفية التي يحملها هذا الشخص او ذاك. ولنا نحن المندائيين صفات خاصة مكتسبة ليس من واقعنا المعرفي والفلسفي الذي حمله التراث الديني ، بل من خلال ما اكتسبناه من التجمعات البشرية التي جاورنا العيش معها، فتفاعلت هذه التاثيرات كقوى محيطة في ظروف حياتنا، الامر الذي جعلنا نكتسب الكثير من عاداتها وتقاليدها وثقافتها الاجتماعية والمعرفية وحتى الدينية، وتحددت علاقاتنا كافراد بهذه التجمعات من خلال حقيقتين بارزتين اولاهما التسهيلات التي منحتها لنا الحياة ومؤسساتها بالعيش المتجاور وثانيهما القيود والضوابط التي فرضتها علينا هذه التجمعات البشرية بالقوة والقسر والنبذ والاحتقار . وهذا الامر انسحب على سخصيتنا المندائية ليحملها على الذوبان خارج واقعها الاول القديم والذي اتصف بالانعزالية، بعد ان لعبت الكثير من المؤسسات التربوية والحزبية والاجتماعية والدينية الدور الرئيسي في خلق الشخصية الاساسية لافراد الطائفة، لنخضع في النهاية لاعراف الجماعات المحيطة التي تنظم حياة الافراد لهذه الطائفة او تلك، ولهذه العائلة او تلك ولهذا الفرد او ذاك. لقد اسهمت هذه العوامل وغيرها في صقل مفهوم الطابع السائد للشخصية المندائية بعد ان اكتسبت في الخمسين سنة الاخيرة طابعا عراقيا جنوبيا بحتا، ساعد على تحوير الطابع العام المندائي للشخصية التي كانت تعيش في مناطق الجنوب العراقي.
الشخصية المندائية اليوم لاتمتلك الوضوح في المواقف والافكار والاراء الجلية الكثيرة التي تعكس الانقسامات الفكرية والنظرية التي سيطرت على النشاط الانثروبولوجي للانسان المندائي الذي عاش ما قبل الخمسين سنة الاخيرة، فما يجمع هذه الشخصية الان هو انتسابها الى بعض الطقوس والممارسات التي تدخل ابواب الدين، ولعل ابواب المعرفة التي جاء بها الدين الصابئي لايغطي للاسف الا جزء صغير من الظواهر والمفاهيم المرتبطة بحياة ومعرفة العدد الاعظم من ابناء الطائفة نتيجة الاتساع والتشعب . واذا كانت المندائية تنتمي الى عالمنا الذي نحياه الان كتوارث عقائدي وتراثي وفكري وفلسفي، فانها تقف الان، ولعل هذه علة منشائها ووجودها في مواجهة منطق الهيمنة والانفراد والاستقواء الذي يميز العديد من الطوائف الاخرى داخل العراق وايران، فلا مراء من ان منطق الهيمنة يثير الخوف والعداء بقدر ما يؤول الى انفجار العنف ونشر مفاهيم اقصاء الآخر بكل الوسائل المتاحة، وهو ما عانى منه الاجداد و يعاني منه ابناء المندائية اليوم في كل من العراق وايران. من هنا تأكيد السؤال حول ماهية المندائية في الفهم الشائع، وقدرتها على التنوع، وحرصها على نسج علاقات جديدة مع المجتمعات الجديدة التي يعيش في كنفها المندائيون حاليا، وماهي شروط العمل المشترك على تجديد وتنوع ثقافتنا التي نحملها بجوانحنا؟
التأكيد على توسيع وتعزيز فكرة حقوق الانسان المندائي الثقافية والاجتماعية، بصورة تمكن اي فرد منا من ان يمتلك الحق في ان يتكلم بلغته ويمارس طقوسه الدينية والعادات التي يختارها، اصبح امرا عسيرا، وتزداد صعوبته يوما بعد اخر. الا ان بعضنا وهو يتنفس رائحة الحرائق التي تهب بعيدا لتلتهم هذا الوجود الانساني التاريخي المهم ، ينطلق من فكرة الخصوصية لخلق سمات المواطنة الدينية التي تشكل قاعدة لحلم التجمع والارتباط بصفات موحدة صعبة التحقيق لعدم وجود لغة وجغرافيا وتضمن احترام وحقوق وجود يتعايش فيه الجميع وكانهم في احدى جمهوريات افلاطون الفاضلة. لقد ولت مثل تلك الافكار والاحلام.
اعود الان الى السؤال المطروح اعلاه:
انه يثير مسالة العلاقة الوثيقة بين الفكر والحدث، ما يحدث هنا في عالمنا الان، هو ثمرة الافكار، لان الفكرة هي قراءة مثمرة وراهنة لما يحدث بقدر ما تتحول هي نفسها الى حدث خارق يخلق مجاله التداولي ويترك اثره على ساحة الفكر او وسط المشهد، سواء على مستوى دولة او طائفة او جماعة.
اقول بوضوح بانه لامخرج لنا ما دمنا نستخدم لغة الابدية الحالمة والغطرسة الدينية البحتة، او تتحكم بنا هواجس الهوية المغلقة واختام الخصوصية، فما حدث قبل خمسة اعوام في العراق، لايعني ان الديمقراطية ستدافع عن وجودنا، فمثل هذه الافكار مآلها الكوارث لان زمن الانفراد والاستقطاب والمركزية على الصعيدين العالمي والمحلي قد ولى، بعد ان اخذ العالم يتعولم، لكي يتحول الى سوق مالية واحدة والى فلك اعلامي واحد، بل الى مجال امني واحد، بحيث ان اي اضطراب في الامن يحدث في مكان يترك اثاره على العالم بمجمله.
على صعيد اخر لم يعد الزمن حركات تحرر كما يتوهم بعض من مثقفينا ،اذ لامراء من ان اي شخص بيننا له الحرية والحق في ابداء رأيه في ما يحدث على ساحة العالم وساحة حزبه وبيته وعشيرته بعد ان باتت المصادر متشابكة.ولكن النقد والمراجعة في الاصول على ضوء الانهيارات التي نعيشها الان كطائفة متشرذمة هنا وهناك، هو نقد لانفسنا وللغير معا، وهو نقد للذات لتفكيك ما يدمر صيغ التعايش بيننا وبين بعضنا وبيننا وبين الغير من البشر، ولربما يكون نقد الذات اولى من نقد الغير، من المنظور الوجودي والانساني، والاولى بنا نحن المندائيون ان نمارس نقد الذات بعد تراجع كثير من مفاهيمنا ورؤانا وقناعاتنا ومواقفنا السابقة بشأن الحقوق والحريات التي تحققت في فترات متباعدة وهامشية.
نحن لانتصارع على الاقوات، فامامنا الان صراع الافكار، وهذا يعني ان علتنا ليست في الجيوب بل في العقول، واننا لسنا ضحية اقدارنا بقدر ما نحن ضحية افكارنا وممارساتنا وانتساباتنا الايديولوجية والسياسية، فيجب علينا على ما اعتقد ان لايصير الحاحنا على التمرس وراء هويتنا كمندائيين فقط، فالدفاع عن الهوية هو من قبيل اللاهوت كما ان الدفاع عن حريتنا ووجودنا داخل الوطن بات ايضا ضربا يحمل خيلا كبيرا امام واقع تصفع به وجوهنا اينما اتجهت.
لايمكن لنا تقديم انفسنا بصفتنا مندائيين فقط محاولين تغليب لغة الفهم السائد بكل معاييره واخلاقه وتبدلاته من اجل ابراز خصوصيتنا التي لاتوجد الا في ممارستنا لبعض الطقوس والمتم والافراح المشتركة التي نحضرها بين الحين والاخر، فيكن رهاننا هلى الافكار وقدرتها على الشرح والتفسير والفهم والتشخيص في معالجة القضايا المصيرية التي تستأثر باهتمام شبيبتنا المعاصرة وتجعلها بعيدة عن احلامنا وطموحاتنا ورغباتنا، في زمن باتت فيه المصائر متداخلة. لايعني ذلك مطلقا، ان ادعو بالتخلي عن مندائيتنا كانتماء عقائدي وفلسفي وفكري وكموقف من الاحداث والمجريات، بالعكس، ان محاولة فهم ما يجري، هو افضل وسيلة وانجعها لادارة القضايا وحل المشكلات المصيرية التي تواجه وجودنا. لكن وعلى ضوء الدعوات المستحيلة التي يطلقها البعض بكوننا امة او شعب.. الخ فهذه قضايا اعتقدها خاسرة ونضالات فاشلة في الوقت الحاضر الذي ننهزم فيه من قبل الاعداء، فنحن لانريد او نطمح لتهديم ذواتنا. ان الازمة الراهنة التي تعصف وتضرب على غير صعيد وفي غير مكان، هي وجودية، هي ازمة تخص المجتمعات الاقلية، هي ازمة تجاه قصورنا واخفاقنا الذي يتمثل بعدم تحصين انفسنا من قبل لمثل هذه العواصف والمذابح الدامية التي تريد انهاء وجودنا، مما يعني ان الخطر ليس خطر دين كبير على اقلية صغيرة فقط، وانما هو ايضا خطر الانسان على نفسه، وعجزه عن معالجة المشكلات التي تزداد تراكما وتأزما.
ولذا لم يعد يكفي ان يرفع احدنا شعارات الشعب الواحد والامة الواحدة، لكي يمارس وصايته على القيم العامة، او لكي يكتسب مصداقيته وينجح في مهمته، فما تفاجئنا به انسانيتنا يوما بعد يوم، ومن حيث لانتوقع، من الاعمال البربرية، تكشف مدى التبسيط والخداع والادعاء الذي يمارسه البعض والذي ينحاز الى ارهاب القداسة وشياطين الايمان وديناصورات التراث ليجعلها اصنام جديدة دون مراعاة ما يحدث خارج بيته.
الامر ايها الاخوة الذي يحملنا كبشر ، على صنع حياة جديدة لانفسنا، وتشكيل علاقات مختلفة بالغير وبالعالم والطبيعة، بحيث نعمل على تجديد اشكال المصداقية والمشروعية وتغيير التوجهات والمهام الوجودية، وبتجديد عدة النظر وشبكات الفهم وطرائق التفكير، وايضا بتغيير انماط التنظيم وقواعد العمل واستراتيجيات تنمية انفسنا ومشارعينا الثقافية. وهذا هو الذي يقودنا الى تركيز فهم ماهية المندائي هذا اليوم كما نحاول في اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر، ان نصوغه ونشرحه بمفهومه ومعاييره الحقيقية الغير مبالغ فيها. اي ان نعترف باننا اقل شانا مما ندعي، واننا في احيان كثيرة لانحسن سوى انتهاك ما ندعو اليه، وامامكم مثل ما آلت اليه رابط المثقفين والفنانين المندائيين ، فنحن لسنا الافضل والارقى والاحسن بين الخلائق، فلا نريد ان نستثمر ذكائنا وثقافتنا بصورة مدمرة في الاستبداد والتآمر الخفي، بقدر ما نستعمل قوتنا وانتسابنا للتراث الفلسفي والمعرفي للدين المندائي في التخفيف عن تبجحاتنا ومطامحنا الشخصية الضيقة وان نعترف ببعضنا البعض وان ننفع بعضنا البعض ونخدم بعضنا البعض.
مندائيتنا الحقيقية وهي تستمد تقاليدها من ارث معرفي وفلسفي كبير، هي الاعتراف المتبادل، البعد المتعدد، الصيغ التركيبية، التحول الخلاق، لغة التوسط والعقلانية والشراكة، اخلاق الرعاية، وذلك يعني ان نفك عن التفكير والعمل تحت يافطة المقدس الذي لايخطأ بيننا والمطلق الكلي والثابت والنهائي، لكي نتعامل مع حقائقنا وقضايانا واشيائنا بصفتها المتواضعة بكونها حقائق مؤقتة ومتغيرة ومتحولة. من هذا المنطق ليست الهوية المندائية وحدها هي التي تحصننا ونتحصن ورائها في خوض معاركنا المعرفية والفكرية والوجودية في هذا الزمن، بل هي قدرتنا كمندائيين على ان نتغير لكي نسهم في ادارة المتغيرات، والاما هو تفسير السبب الذي يتراجع فيه رجال ديننا الافاضل عن تشكيل ما نطمح جميعا لتحقيقة بانشاء مجلس روحاني اعلى قادر على تداول العديد من الامور الجوهرية ويستطيع خلق متغيرات في مفاهيمنا وومعتقداتنا التي شابها الكثير من الزوائد والشوائب؟ ان بعضهم يفكر بمصالحه قبل مصالح الطائفة ويجعل بعض الحقائق اصلا ثابتا يتماهى معه، او يجعله شمسا ابدية السطوع بانوارها على عالمنا ولاتعرف الغياب والافول، او كانهم كهنة في معابد لاتعرف ولاتعترف برياح التغيير. لنا طاقتنا ايها الاخوة على الخلق والانتاج وعلى الفعل والتأثير، بما نطلقه او نصنعه او نخترعه من القوى والادوات والاشكال والصيغ والعبارات واللغات والمجالات، وذلك على سبيل البناء واعادة البناء بصورة متواصلة، سبرا واستغلالا او نماء وازدهارا. اما فكرة الانتماء وتحديدها فليست ثابتة تقوم بذاتها وانما هي سياسة واجتراح، فثمة شعارات كبيرة، جليلة او جميلة او نبيلة، كالهوية الدينية والانتماء العشائري المندائي الذي قوت معاييره بعد شعورنا بالصدمة الوجودية التي تهدد وجودنا، فقد استحالت هذه الامور عن بعضنا الى بحار من الشتائم والمعارك والتحزبات العشائرية والحزبية ، كما تعرضها ساحة الشبكة المندائية التي اعتبرتها ولا ازال واحة صحية ومقبولة للديمقراطية سعينا في اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر على خلقها وتعميقها من اجل ان تكون قاعدة تربوية للمارسة الديمقراطية وقد افلحنا بهذه التوجهات.
فكرة الهوية المندائية لايجب ان تكون بمثابة ايقونة او شعار مضلل ومزيف لتدمير الكثير من المعاني والافكار التي تبنى هنا وهناك، فعالم الانسان اليوم هو عالم الفكر، ولذا لاينفك احدنا عن التفكير، ولكن الفكرة ليست جوهرة او ايقونة لكي نقدسها او نتعبد لها او نتباكى على عدم تحقيقها واستكمال معانيها، وانما هي قدرتها على فتح الامكانيات وتفاعلها وتطويرها او تغيرها، كما هو شان الافكار التي يتعامل معها اصحابها والذين يتداولونها بصورة حية وخصبة، نامية ومتغيرة، فعالة وراهنة.
ما نحتاجه الان كهوية لنا بان نكون جميعا اناس عاديون، متواضعون، لاندعي امتلاك الحقيقة بتصوراتها المطلقة ونماذجها المسبقة الجاهزة، وانما نمتلك الجاهزية الفكرية والخلقية لممارسة الوعي النقدي والاعتراف بالقصور والمحدودية، والاحساس بالمسؤولية المتبادلة، بقدر ما هي افكار، هي مجرد وجهات نظر او اقتراحات للحوار والمداولة، من اجل بناء ما نحتاج اليه من ثقافة السلام والتصالح والقيم المشتركة، وهذه هي مندائيتنا الحقيقية.
موسى الخميسي/ روما