نقاش لا يجدي
إلى المندائيين كافة
تحياتي لكم وأرجو أن تكونوا بخير
حين هجمت جيوش العثمانيين على بيزنطة وأحتلها، وجدوا أن أصحاب الرأي والحكم في المدينة منشغلين بمسألة كم يكون عدد الملائكة الذين لو نزلوا من السماء على رأس دبوس؟
وبعد أن سقطت على رؤوس المندائيين كل تلك الكوارث التي تهدد وجودها كتاريخ وكدين، تجدنا اليوم نناقش على صفحات الانترنيت هل الخالق ذكر أم أنثى؟ لا أعرف ما هو الهدف من مثل تلك النقاشات العقيمة، وهل الموضوع بحث ديني، أم فلسفي أم علمي ولماذا الخوض فيه أصلا ؟
بفضل الجهود التي بذلها المثقفون من أجل إيصال الدين إلى أبنائنا عن طريق الترجمة والنشر،أمثال عزيز سباهي والدكتور سعدي السعدي وصبيح مدلول والمرحوم نعيم بدوي وغضبان الرومي وغيرهم، اكتسبت الثقافة والمثقفون المندائيون احترام الطائفة، على رغم سلفية وسطحية بعض أبناءنا. وهنا راح بعض رجال ديننا يقلدون أولائك ويتجهون إلى الكتابة والنشر. ناسين الفرق بين المثقف الذي يضع العلم والبحث عن الحقيقة في المرتبة الأولى، وبين رجل الدين الذي يقيده الأيمان.
إن التزام رجل الدين بجوهر دينه هو الأهم.
قام قبل اليوم البعض بترجمة بعض الكتب الدينية ونشرها، فتقبلها المندائيون على الرغم من عدم دقتها كونها كتب عامة " شيء أحسن من لا شيء". ولكننا اليوم نفاجئ بأن النشر تعدى المفاهيم العامة ووصل إلى لأسرار الدين المحرمة .
يقوم أحدهم اليوم بترجمة كتاب "الف ترسر شويلا" وينشره على صفحات الانترنيت، ليناقشه كل من هب ودب من المندائيين وغيرهم، بينما هو كتاب متخصص فقط للناصورائيين أي المتبحرين بالمعرفة المندائية وكان محرم الاطلاع عليه حتى من قبل الترميذا العادي.
لا أعرف عن أية لغة يترجم هذا الكتاب، وهل الترجمة عن المندائية أم عن الانكليزية؟
إن كانت الترجمة عن المندائية، فالترميذا الذي ينشر الكتاب قد وجد حتما في الكتاب الذي ينشره تعليمات وتحذيرات مشددة تمنعه من إطلاع العامة عليه، فكيف يتجاوز ( مندائي مومن) تعليمات دينه إن كان مؤمن بها ويقوم بنشره على الجميع؟.
أما إذا كانت الترجمة عن ترجمة الليدي دراوور، وهذا ما أرجحه فقد ورد في الترجمة والهوامش التي تنشر اليوم، الكثير من كتابات الليدي التقليدية مثل: العين والنخلة وكما جاء في الهامش : ( لذا فأن ذكر النخلة في الآدب المندائي بساقه المستقيم وبأزهاره الخصوبية هو رمزٌ للعنفوان والقدرة الخلاقة للذكر في مبدأ الخلق. اما عين الماء المتدفق او الينبوع وهو الذي يغير الصحراء الجافة فيجعلها خضراء مزهرة اذن فهو رمزٌ للتغذية والانتاج عند الانثى في مبدأ الخلق. ان هذين الرمزان موجودان عند المجوس ليومنا هذا وانه يجب ان يكون الى جانب نار المعبد حديقة فيها ينبوع ونخلة.ان الماء المسحوب من البئر او الينبوع يستخدم للتقديس كمطهر في احتفالات (بارغنا وياسا) وعند الانتهاء فأن الكاهن الفارسي يلقي في البئر افتتاح عملية التقديس ،اما النخلة فتزود بقصاصة ورق تستعمل في طقوس الغرس.)
ترى هل اطلع المترجم والناشر على العبادة المجوسية في يومنا هذا؟ وأين؟ وهل عبارة ( ليومنا هذا) تعني هذه السنة 2008 أم أيام الليدي دراوور في بدايات القرن الماضي؟ وما هي احتفالات " بارغنا وياسا"
التي ذكرها؟.إنه حشو كلام لا يفيد المندائيين اليوم بشيء.
ليس هذا هو المهم، ولكن المهم أن في الكتاب الذي وضعته الليدي دراور عن الغنوصية المندائية ( آدم كسيه ) والذي ترجمه المرحوم نعيم بدوي تقول فيه:
أنه وجدت تعاليم مشددة تؤكد على التكتم والسرية، وربما واحد من الف يمكن تلقينه المبادئ السرية، ( ومن يسمح للعامة بالاطلاع على تلك المبادئ السرية جدا، يعرض نفسه للعقوبات في هذا العالم وفي العالم الآخر ).
ومن أهم تلك المخطوطات التي تحوي تعاليمنا السرية هي الف ترسر شويلا، وديوان ملكوثا اليثا، وكذلك ديوان آلمه ريشايا ربه وآلمه ريشايا زوطه.
كيف لم يلتزم الترميذا بهذه التوصيات؟ وبخاصة أنه قد كتب شخصيا في إحدى حواشي ترجمته يقول:
( إن كل من يزدري أسرار آبائه فإن سرّ المعرفة الذي يمتلكه سيؤخذ منه وعيناه لن ترى أواثر، وعندما يترك جسده سوف لن يرى خالقه)
قد يكون من المفيد ترجمة كافة كتبنا الدينية، ولكن لغرض معرفة رجال ديننا بالدرجة الأولى بدينهم، وربما يكون في ذلك فائدة للباحثين والمتابعين. ولكن النشر الواسع وبهذه الطريقة أراه شيئا يسئ إلى المندائية ولا يخدم الدين وتطوره.
ثم أن المناقشات العلنية والغير دقيقة والبعيدة عن المعرفة الحقيقية بالدين سواء في النشر أو في الاجتماعات العامة والتي تصدرمن أية جهة دينية سيضر بالمندائية والمندائيين، فالمندائيون متهمون باطلا بوحدانيتنا، على الرغم من أن الوحدانية هي أساس الدين المندائي.
على رجال ديننا أن يكونوا أكثر حذرا في تصريحاتهم وأن يجتهدوا في تسهيل الطقوس والمساعدة عليها لا أن يناقشوا : (هل إله المندائيين ذكر أم أنثى وهل جاء قبل الانفجار الكوني أو بعده؟).
وأرجو أن لا تغضبوا مني فكلمة الحق أصبحت ثقيلة على البعض.
عبد الإله سباهي
الدنمارك تشرين الثاني 2008