English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

تداعيات شرهان

مديح الصادق


الثالثة كانت بعد منتصف الليل عندما رن الهاتف فخطفته بسرعة البرق متحاشيا تراكم قائمة اتهامات زوجتي لي ابتداء من تلك العلاقة التي لا يفسدها العاذلون مهما حاولوا مع كروبات المندائيين , وروادها الأحباء إلى حد العشق , والسهر حتى الصباح أغلب الأحيان , مرورا بتلك القصائد الغزلية , أو قصص الحب , ما يؤشر لأية زوجة أن كاتبها لا شك في أنه متورط في أحداثها , والدليل على ذلك صدق التعبير , ودقة الوصف

شرهان يعلم أني قد أصغي إليه في أي وقت بلا تحديد , يبث لي شكواه , بل هموم المئات من المندائيين , المنتظرين في دول الجوار , والصابرين , المواجهين الموت والدمار , والاجتثاث , وإخلاء الدار , جبلا كان جاثما على بركان من الآلام , يسرة ويمنة يدير الطرف , فلا خل , ولا صاحب , ولا أنيس , فديار ليلى خلت من أهلها , وقد بعد المزار , والخمسون يزيدها رقما كل عام , والكف ماعادت خمسا , فالخنصر في شيكاغو , وفي إستوكهولم انفرد الإبهام , والأخرى لا يدري هل تاهت , أو صارت عقدا فانفرطت في كل الأرجاء , كل ليلة يقيم الولائم شرهان , للنجم القطبي , لكل الأعوان , ويصلي الفجر , وكل الأوقات , ويدعو , من كل قلبه يدعو

نذر علي لو جُمعتُ بأهلي - والحي العظيم - سأجمع شملهم , وأصفي القلوب , بيتا نبني للجميع , بئرا نرتوي منها , ونغسل الذنوب , أكاليل ياس أعلقها على الأبواب وهم نيام , يحلمون , أطوار الأبوذيات , والمواويل لهم أغنيها , آخر الليل , فأهلي كلهم عشاق , كلهم حلو , كلهم أهلي شعراء , ملوك بلا تيجان , أو صولجان , آه لو جُمعتَ بأهلك - يا شرهان - تقدم الصفوف واحمل بصحبتهم الأحجار , وابنوا المندي , شدوا الهميان , خلف الترميدا , صفا صفا , سطرا سطرا , حرفا حرفا

صوته هذه المرة محموم , أنبئني , ما حلّ بكم ياشرهان ؟ إن كان موتا فهو حق , وإن غيره فالأمر لله , لا وحقك يا أخي فالموت أهون مما نحن عليه , غدا مساء ستكون لدينا انتخابات , هيئة إدارية جديدة لجمعيتنا التي احتضنتنا , وكل المندائيين من قبل , وعلقنا عليها الآمال , وقاربت في أحلامي المنال , جميل جدا هذا يابن العم , لماذا أنت إذن مهموم لهذا الحد ؟

تقطع صوته حتى أدركت أنه كان يغالب البكاء - وهو عزيز الدمع -

استعاد رباطة جأشه : كارثة هي يا أخي , لقد قضى المرشحون الليل بطوله يبثون الدعاية , كل لنفسه , فهذا قد أعد قائمة من عشيرته , نعم عشيرته , ومن يرتبط بهم بعلاقات المصاهرة , أو القرابة , أو الصداقة , وكأن العملية منافسة على عرش ملك الملوك , ووظف كل ما بوسعه من إمكانات , ولائم , حفلات , زيارات , في حين أنني حين قدمت , ومثلي كثيرون , لم نر من هؤلاء نفرا واحدا على الإطلاق , أو حتى على الأقل لم نحظ منهم على الهاتف بمجرد تحية أو سؤال

وآخر استفاق مؤخرا فتلفت حوله , لا بد أن يرسو على واحد من الشطآن , لا يهم عنده إن جاء هذا أو ذاك , المهم أن تكون المجموعة مضمونة الفوز , مهما كانت الأساليب , مهما كانت الغايات , فالذكي اليوم هو الذي يعرف من أين تؤكل الأكتاف ؟ , وليس الندم بنافع عندما تدر النياق ولا يحتلبها

وآخر مثلي يقضي الليل يناجي النجم , ويدعو كما دعوت لأهلي من قبل , يصلي خمس مرات أن يحفظ الحي العظيم أهله المندائيين , وأن تغسل اليرادن كل الأحقاد , وتحرق الآكلة الأشواك الداميات , وتكتب كل الأقلام : بسم الحي العظيم , ملك النور السامي , درافش يهيا يهانه على كل الجدران , وبين الضلوع , فوق الرفوف , في كل الزوايا : كنزاربا , ترسر وألف شيالة , . . . وأخريات

ألستُ أخاك ؟ أجبني بالله عليك , مَنْ أعطي صوتي من هؤلاء ؟

على مهلك - يا شرهان - فالساعة بعد الثالثة , الفجر

جوابي لك لا أنفرد به , وليس أمامي من حل سوى أن أعيد طرحه على كل أهلي المندائيين

لِمَنْ من هولاء تنصحون بأن يدلي بصوته , شرهان ؟

أخوكم مديح الصادق

من كندا - تورونتو