الشرقية تحتفي بأحلام المندائيين
نعيم عبد مهلهل
لم يفكر اندريه بريتون عند كتابة البيان السريالي أن تكون هذه المدرسة صفة لشمول الاوطان برؤاها.فلقد ارادها تحصر رؤاها ومبادئها ضمن رؤي الادب والفن، وكان يقول: إن السريالية ابعد نقطة عنها خطاب السياسي وهو يريد أن يلتهم الجماهير مثل قطعة جبن مدهونة بفلفل أحمر.
لكن القرن العشرين الذي ولدت فيه السريالية وماتت في ذات القرن، أو خفتت روحها بفعل سريالية اخري لاتشبه الأولي. لا قلباً ولا قالباً، أتت فيها عولمة الكمبيوتر والليزر وطائرات 18 F (الشبح). وهذه السريالية الجديدة سمحت للسياسي أن يكون لاعباً فيها حتي دون أن يعلم عندما تمنحه غرائبية المشهد وادواته بدءاً من طرائق الموت الشنيعة وإنتهاءً بقوائم رواتب الولاة والمشايخ والسيناتورات والفوارق الطبقية الهائلة بين امين صندوق في دار الامارة وبرفيسور جامعي وهبته لنا اكسفورد ليعلمنا المُثل الحضارية، فركنت حقيبته الي احزان المنفي والخوف، لأن السريالي الاخر قرر تصفيته بمسدس كاتم صوت..!
هذه مقدمة مبسترة بدموع من قشطة وأسي مدهون بعطر طفولة آدم (ع) يوم كانت الجنة بيته، واجفانه شاخصة علي جنوب العراق. اردتها بوابة للحديث عن هاجس يسكنني لحظة مشاهدة طقوس التعميد المندائية في قناة الشرقية الفضائية وهي الوحيدة التي ظلت تحتفي علي الدوام بأحلام هذه الطائفة واعيادها، وانا اشاهد واحداً من اعياد خليقتهم الضاربة في عمق التواريخ والأزمنة وكتب الضوء المقدسة واحلامها.
لقد ورد ذكر الصابئة وبصورة مستقلة في القرآن الكريم وفي الآيات الآتية. الآية 62 من السورة الثانية (سورة البقرة) ورد:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون). وفي الآية 69 من السورة الخامسة (سورة المائدة) ورد: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصاري من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون).
أضع الذكر الحكيم في ميزان الرؤية عند ولاة سريالية العراق الجديد، واتمناهم أن يفكروا جيدا في مكون هو اقدم من سلالات احزابهم السياسية واجندادتهم المسيسة، البعض منها في حسابات مصرفية سرية، ويبقوا لهؤلاء المدججين ببراءة التواريخ النقية شيئاً من وجودهم العراقي علي ارض ازلهم من خلال جعل الكوتة الانتخابية تضع لهم مقعداً برلمانياً مزكي لتشعر بناية البرلمان وهي تقرأ فاتحة جلستها الاولي انها تضم العراق كله من سدرة آدم (ع) وحتي نصب حرية جواد سليم.
ولكي يتخلص الوطن من سريالية تفكيره المتداخلة في خواطر اللجان البرلمانية وجلسات مجلسه السياسي. وحكومته (المحاصصية)، عليه أن يتجرد من كل ذائقة لنسيان من كانوا هنا قبل أن يكون هو. ويحترم رؤية التاريخ ومساره الحضاري، ويعطي قيمة ووجوده لمن كانوا قبلنا، صناع اللحظة المشرقة في طين جدران الزقورات والمعابد وكؤوس النذر والشرائع الاولي....العراق المندائي..والعراق السريالي.... صورتان لواقع حال. سريالية ملثم مخمور بفقه السكين والخشخاش، ويأتي في ظلمة روحه وجهله ليقتل تأريخاً عريقاً ونقياً ويرغمه علي احتضان المنفي واقامة طقوس التعميد في نهر في مدينة مالوا أو علي نهر السين في باريس ونهر الراين في المانيا ونهر المسيسيبي في امريكا، بدلاً من يعمد احلامه في نهره الازلي الفرات التي ذكرته كتبهم المقدسة انه آت من جنائن الله وليس من سد كمال اتاتورك في تركيا....وحتي نجعل سريالية الوطن اقرب الي رومانسية الواقع واحلامه. علينا ان ننصف من هم احق بالإنصاف من كل (داربيات) الائتلافات والتمحور وانطقة الاحزمة الناسفة....والانصاف يأتي بفقرة ما يذكرها الدستور..ابحثوا عنها (الله يخليكم) وازرعوها تحت اجفان الطيف المندائي. ليكتمل الوطن في رغبة الوطنيين ويمشي خفافا الي الامان والسلام وناطحات السحاب.....!