لا يتكرر اسم أركانجلو كورَلّي (1653 – 1713) كثيراً في الوقت الحاضر، ألا أنه كان في زمانه أشهر المؤلفين قاطبة. فهو عازف كمان بارع ومربي ماهر اخترع ما يسمى بـ "كونشرتو غروسّو"، وهي شكل خاص من أشكال الكونشرتو، عندما تتبارى مجموعة من الأدوات الموسيقية مع باقى الاوركسترا، لكن ليس مثلما يحدث مع الأدوات المنفردة، بل كمجموعة موسيقية واحدة في مقابل باقي الاوركسترا. أسهم كذلك في تطوير شكل السوناتا وموسيقى الحجرة على العموم بشكل كبير. وتتجلى أهمية كورَلّي كذلك في نشاطه التربوي، فإليه يعود الفضل في تعليم عدد كبير من الموسيقيين فنون العزف على الكمان ليصبحوا عازفين وموسيقيين مشهورين مثل فرانشسكو جمنياني (1787 - 1762) وبييترو لوكاتلّي (1695 – 1764) وبييترو كاستروتشي (1679 – 1752) وكلهم من الموسيقيين الكبار الذين ألفوا للكمان أعمالاً جميلة وخالدة.
أثر كورَلّي على كل معاصريه من الموسيقيين وحتى على الجيل التالي، ومنهم هندل الذي ألف كونشرتات غروسّو على النمط الذي ابتكره كورَلّي، وقد التقى هندل وكورَلّي سنة 1708 في نابولي (حينها عزف هندل بعض أعماله وقاد الفرقة وقتها الساندرو سكارلاتّي). وحول باخ بعض أعمال كورَلّي لتعزف على الاورغن. ألف له الموسيقار الفرنسي كوبران خصيصاً عملاً موسيقياً في مديحه، وهو سوناتا لثلاثة أصوات.
12 كونشرتو غروسّو عمل رقم 6 (فابيو بينودي وفرقة أوروبا غالانته)
https://www.youtube.com/watch?v=UNsrdjzLrzM
12 سوناتا للكمان عمل رقم 5 (أندرو مانزي وريتشارد إيغار)
https://www.youtube.com/watch?v=M5ce15s4NYc
كوبران: في مديح كورَلّي
https://www.youtube.com/watch?v=YOxch7loIHM
تفتخر تشيخيا بعدد من الموسيقيين اللامعين، مثل عائلة بندا الشهيرة التي ذاع صيت أبنائها منذ بداية القرن الثامن عشر حتى اليوم، واشتهر سميتانا في القرن التاسع عشر ومارتينو في القرن العشرين. لكن أهم موسيقيي تشيخيا دون منازع هو أنتونين دفورجاك (1841 – 1904). من أهم أعماله المعروفة سيمفونيته التاسعة (العالم الجديد) ورباعيته الأمريكية وقد ألفهما أثناء عمله في نيويورك مديراً للكونسرفاتوار الوطني للموسيقى، ورقصاته السلافية وافتتاحية "وطني" وكونشرتو التشيلو والسريناد للوتريات.
تتميز أعمال دفورجاك بجمال الحانها ومتانة بنائها النغمي والهارموني، وتوظيف الألحان والايقاعات الشعبية. ويمثل دفورجاك إلى جانب سميتانا التيار القومي في الموسيقى التشيخية، وقد انتشر هذا الاتجاه في أوروبا في القرن التاسع عشروقتئذ. إذ تزامن هذا مع ظهور الدول القومية في أوروبا، وكان على الأدب والموسيقى وباقي الفنون خدمة هذا التوجه، عبر إحياء الأساطير القديمة فنياً (على سبيل المثال اسطورة النيبلونغ عند فاغنر). وتجلى هذا الاتجاه عند دفورجاك في اوبراه روسالكا ورقصاته السلافية (مع أن ألحانها مبتكرة من قبله ولا تمت بصلة إلى الألحان الشعبية، لكن روحيتها وإيقاعاتها شعبية بدون نقاش)، وكذلك في عمله الرائع "وطني".
السَرَناد في مي الكبير (عمل رقم 22) من الأعمال المحبوبة، بالخصوص المقطع الثاني (رقصة الفالس)، وقد كتبه بسلم دو دييز الصغير وهو السلم المكمل لسلم الحركة الاولى مي الكبير. كما اشتهرت الخاتمة السريعة (الحركة الخامسة)، وهي كثيرا ما كانت تستعمل في الموسيقى المصاحبة للأفلام والبرامج التلفزيونية.
سرناد الوتريات في مي الكبير عمل رقم 22
https://www.youtube.com/watch?v=PQdzyrcQBjo
وهذا رومانس الكمان والأوركسترا رقم 11 يقدمه اسحق شتيرن مع اوركسترا فيلادلفيا بقيادة يوجين (يَنو) اورماندي
https://www.youtube.com/watch?v=Ev2ggbakfGw
الى اللقاء السبت المقبل
لعل العنوان يتزن إذا قلنا من طرائف الموسيقيين والسياسيين، لأن صاحب النكتة كان سياسياً. إذن، لنبدأ قصتنا اليوم بالتعريف بأبطالها: جورج كليمنصو 1841 - 1929، داهية السياسة رئيس وزراء فرنسا أبان مؤتمر فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، طبيب انحاز إلى السياسية فأجادها، ساهم في تقسيم أوروبا والعالم. إغناسي يان پادَرَفسكي 1860 - 1941، عازف البيانو الشهير والمؤلف ورئيس وزراء بولونيا في 1919 بعد استعادة البلد استقلاله.
يقال أن پادَرَفسكي كان في باريس لحضور مؤتمر فرساي عندما سمع بأن غدانسك وبروسيا الشرقية لن ترجعا جزءاً من بولونيا التي استعادت استقلالها في خريف 1918 بعد قرن ونيف من تقاسمها بين روسيا وبروسيا والنمسا في 1793. عندها أسرع إلى مقر كليمنصو طالباً مقابلته، وحصل ذلك بالفعل بعد فترة وجيزة. عندما دخل پادَرَفسكي على كليمنصو بادره الأخير بالسؤال، إن كان يقرب لعازف البيانو الشهير؟ فأجابه پادَرَفسكي قائلاً: أنا هو هذا العازف الشهير. فما كان من كلمينصو إلا وهزّ رأسه بدهاء قائلاً: حضرتك الفنان الذي يحتفل به العالم أجمع قد أصبح رئيس وزراء؟ كيف انحدرت إلى هذا الدرك الواطئ؟
يذكر أصدقاء هذا العازف الشهير الذي عاش في سويسرا ومات في امريكا أنه قال ذات مرة: مرت خمسة عشر سنة قبل أن أتيقن بأنني لا أمتلك أية موهبة موسيقية. فسأله أصدقاؤه: وماذا فعلت عندما عرفت ذلك؟ قال: ما كان في وسعي عمل شيء، لأنني كنت عندها موسيقياً شهيرا!
سوناتا في لا الصغير عمل رقم 13. كاتاجينا بانكوفسكا على الكمان ويوانا تشاپـنسكا – فروبلفسكا على البيانو
http://www.youtube.com/watch?v=9oIU_faS7T8
الفنتازيا الكراكوفية، مع صور لأجمل معالم كراكوف:
http://www.youtube.com/watch?v=9F4jf5ukOqQ
مقطع من فلم "سوناتا ضوء القمر" من العام 1937 يؤدي فيه پادَرَفسكي الشيخ (77 سنة) عمله منويت رقم 1 عمل رقم 14:
http://www.youtube.com/watch?v=YtZUP7HyD3Y
إلى اللقاء اللقاء في الاسبوع القادم مع المزيد من ظرائف الموسيقى والموسيقيين
مارتن لوثر (10 تشرين الثاني 1483- 18 شباط 1546 ويلفظ اسمه بالألمانية لوتر) من الشخصيات التي غيرت تاريخ أوروبا بسبب انشقاقه عن الكنيسة وإطلاقه الحركة البروتستانتية الاصلاحية التي نافست الكنيسة الكاثوليكية هناك بعد تأسيس الكنيسة البروتستانتية (وفروعها الانجيلية والكالفنية وغيرها لاحقاً). من أبرز انجازاته ترجمة العهد الجديد (الأناجيل والرسائل) إلى اللغة الألمانية، وهو بذلك كسر احتكار الكنيسة للكتاب المقدس ووضعه بين أيدي الناس باللغة التي يتكلمون ويفهمون. فقد أنجز الترجمة من اليونانية سنة 1521 وطبعت في العام التالي. وتوالت بعد هذه الترجمة الألمانية الترجمات باللغات الاخرى خلال عقد أو عقدين تلت الترجمة الألمانية. ونعرف أن هذه الترجمات كانت ضرورية لتطور ونمو اللغات القومية وانتشار الأدب القومي المحلي، وعامل مهم من عوامل ظهور الحركة القومية في أوروبا لاحقاً.
قدر تعلق الأمر بالموسيقى، نعلم عن نشاط مارتن لوثر في تأليف الأناشيد الدينية، وتهيئة موسيقاها كذلك. ولا تزال أناشيد لوثر تتردد في كنائس ألمانيا وغيرها حتى اليوم. وتسمى هذا الأناشيد باسم كورال، ويؤدى من قبل كورس بمصاحبة الاورغن بالاشتراك مع جموع المصلين. وكلمات الكورال مترجمة من الأناشيد اللاتينية عادة، بالاستناد على ألحان بسيطة سهلة الغناء والحفظ، كان جزء منها معروف أساساً في الطقوس الكاثوليكية. لكن مفهوم الكورال ارتبط لاحقاً بيوهان سيباستيان باخ، إذ استعمل باخ الكورال اللوثري في كانتاتاته (الموسيقى الدينية الغنائية) وأوراتورياته بعد توزيعه لكورس (من أربعة أصوات على الأكثر)، واستعملها كذلك في موتيتاته (كورس من أربعة أصوات بدون مصاحبة)، كما قام بإعادة توزيع الكثير من الكورالات للأورغن.
×××××××××
باخ: موتيت "يسوع صديقي" رقم 227:
http://www.youtube.com/watch?v=XVa3nR-2bVc
باخ: من كانتاتا رقم 4 لعيد الفصح، إعادة توزيع كورال "المسيح مسجى في الكفن" بطريقة بوليفونية بارعة:
http://www.youtube.com/watch?v=IAcuLI5_TjM
إعادة توزيع كورال "أيها النائمون استيقظوا، نادى علينا الصوت" للأورغن من كانتاتا رقم 140، يؤديه تون كوبمان (لحن الكورال يؤدي باليد اليسرى):
http://www.youtube.com/watch?v=VSkz3j9b23Y
وهذه هي الكانتاتا رقم 140، ومطلعها نفس الكورال لكن بتوزيع آخر للاوركسترا مع كورس بأربعة أصوات:
http://www.youtube.com/watch?v=3sj-NKqR0tw
إلى اللقاء السبت المقبل
أعلنت الجمعية الفلهارمونية الملكية البريطانية يوم 13 تشرين الأول الماضي عن منح الموسيقار المجري جورج كورتاغ وعازف البيانو المجري أندراش شِف الميدالية الذهبية . ويبلغ شِف عامه الستين اليوم، وسوف يستلم هذه الميدالية الرفيعة مساء اليوم بعد حفل مقرر سابقاً في قاعة ويغمور الشهيرة في لندن. بذلك ينضم شِف إلى نخبة من ألمع الموسيقيين الذين حصلوا هذا التقدير منذ العام 1871، مثل شارل غونو ويوهانس برامز وفريتس كرايسلر وبابلو كازالس من الأوائل، ومن المعاصرين دانيل بارنبويم وسير تشارلز مكريس وسير سايمون راتل وأخرين. وتأسست الجمعية الفلهارمونية الملكية البريطانية قبل قرنين، في العام 1813.
ولد أندراش شِف في بودابست سنة 1953، ودرس البيانو عند ألمع الموسيقيين المجريين. ترك بلده في 1979 بعد أن أيقن أن تطوره الفني سيتوقف إن هو بقي في المجر، واستقر في لندن وسالتسبورغ بالنمسا، وحصل على الجنسية النمساوية سنة 1987، لكنه تنازل عنها في سنة 2000 بعد صعود اليمين المتطرف هناك، بعدها حصل على الجنسية البريطانية سنة 2001.
وشِف عازف بيانو قدير في طليعة أفضل العازفين المعاصرين، وأخذ في السنوات الأخيرة يقود بعض الفرق، مثل الأوركسترا الفلهارمونية في لندن التي يقودها بانتظام. أشتهر بترجمة أعمال باخ وموتسارت وبيتهوفن وشوبرت، ولديه تسجيلات كثيرة يتحدث فيها عن سوناتات البيانو لبيتهوفن ويحللها، وكذلك أعمال باخ. سينهي في حفل اليوم سلسلة من ست حفلات يقدم فيها أعمال باخ، وأنتهى مؤخراً من سلسلة حفلات في الولايات المتحدة من 40 امسية بدأها العام الماضي، أطلق عليها اسم سنة باخ.
يعترض شِف على تصاعد التعصب القومي ومعاداة الغجر وتزايد التطرف اليميني في بلده الام، واعتذر عن تقديم حفلات في المجر أو زيارتها ما دام الجو العام هناك يتميز بالتنافر والتوتر والتعصب.
هذا تسجيل لحفلة 10 نيسان 2013 وهي إحدى حفلاته الأمريكية الأربعين التي قدم فيها أعمال باخ، هذا عمل الفنتازيا الكروماتية والفوغا في ره الصغير عمل رقم 903:
مر بالأمس يوم ميلاد المايسترو دانيل بارنبويم، لذلك قررت أن أكتب عن هذا الفنان الكبير كلمة قصيرة اليوم. بارنبويم المولود في الأرجنتين ١٥ تشرين الثاني ١٩٤٢ من أبوين يهوديين من روسيا علماه العزف على البيانو والموسيقى، قدم أول حفلاته بالعزف على البيانو في بوينس آيرس وهو في السابعة من العمر. هاجرت العائلة إلى إسرائيل في ١٩٥٢، وفي ١٩٥٤ أخذه أبواه إلى زالتسبورغ بالنمسا ليدرس قيادة الأوركسترا، وهناك عزف أمام المايسترو الشهير فلهلم فورتفينغلر (قائد فرقة برلين الفيلهارمونية الشهيرة) فاعجب به وعرض عليه تقديم كونشرتو البيانو رقم ١ لبيتهوفن في برلين. كان ذلك فرصة ثمينة أمام طفل في الثانية عشرة من العمر، غير أن أباه رفض العرض لاعتبارات العلاقة المرتبكة بين اليهود والمانيا ودور فرقة برلين الفيلهارمونية خلال الفترة النازية. بعدها درس عند الموسيقية والمربية الفرنسية الكبيرة ناديا بولانجيه وطاف مدن العالم ليعزف على البيانو مع أشهر الفرق ومع أشهر قادة الاوركسترا، مثل ليوبولد ستوكوفسكي. قاد بارنبويم أشهر الفرق، وهو المدير الفني مدى الحياة لفرقة برلين الحكومة ودار اوبرا الدولة.
أكثر ما يثير التعاطف في شخصية بارنبويم هو نزعته الانسانية، فهو يتسامى على اصوله الدينية والعرقية وجنسيته فيتعبر نفسه انساناً عالمياً. فقد تعاون مع المفكر الفلسطيني الأمريكي أدور سعيد في تأسيس فرقة ديوان الغرب - الشرق وهي فرقة موسيقية تتألف من شباب اسرائيليين وعرب مقرها في اشبيلية، كما أسهم في دعم تعليم الشباب الفلسطينيين الموسيقى. وكان يكثر من تقديم الحفلات في رام الله أيام حصارها من قبل الجيش الاسرائيلي، وكثيراً ما تصادم مع جيش الاحتلال الذي منعه مراراً من دخول رام الله. كما أثار عاصفة من الانتقاد بين أوساط الاسرائيليين المتشددين بعد تقديمه موسيقى ريشارد فاغنر في اسرائيل لأول مرة، واتهموه بخيانة ضحايا الهولوكاوست (الشوا). ويحمل بارنبويم الجنسية الارجنتينية والاسرائيلية والفلسطينية والاسبانية ويقيم في برلين.
يتميز اسلوبه الموسيقي في تقديم الأعمال بما يلائم الذوق والعادات الموسيقية في العصر الحالي، وهو بذلك يسير على خطى الحركة الرومانتيكية في "ترجمة" أعمال السابقين وفق منظور العصر. وهذا نقاش طويل بين أتباع المدرسة التي تحاول الاقتراب من الأداء الأصلي باستعمال أدوات موسيقية من ذلك العصر وتقنياته وعاداته) وبين أتباع المدرسة المرنة في تقديم الموسيقى. وفي رأيي المتواضع، لا يوجد تعارض بين الاثنين فهما يكملان احدهما الآخر. إذ يمكننا التمتع بتوزيع ليوبولد ستوكوفسكي الاوركسترالي لأعمال باخ التي كتبها للأورغن، بنفس المتعة التي يوفرها تقديمها من قبل أشد الموسيقيين حماساً للالتزام بروح العصر الذي كتبت فيه هذه الأعمال.
×××××××××××××
في ١٩٦٩ أنتج المخرج كريستوفر نوپن فيلم السلمون عن خماسية شوبرت الشهيرة بهذا الاسم، وقد عزفها الأصدقاء الخمسة دانيل بارنبويم على البيانو واسحق برلمان على الكمان وفنحاس سوكرمان على الفيولا وجاكلين دو بريه (زوجة بارنبويم) على التشلو وزوبين مهتا على الدبل باص.
http://www.youtube.com/watch?v=7NQ48hMuxP4
Schubert Quintet A major The Trout Barenboim Perlman Zukerman du Pré Mehta
HaydnHouse04Mar1887
إلى اللقاء السبت القادم
تناولت الاسبوع الماضي الدور الذي لعبه الموسيقيون الأرمن في اسطنبول، أما اليوم فسأتحدث عن دور المرأة الهام في الموسيقى التركية العثمانية. كانت "الحريم" في القصر السلطاني تعيش في عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي على الدوام. وتألف حريم السلطان على الأغلب من أجمل سبايا الحروب التي شنها العثمانيون، أو من الرقيق الذي يقتنى هنا وهناك (من غير المسلمات بالطبع). في مقابل هذه الحالة العبودية التي لا تقرها الشرائع العصرية الحديثة، كان الحريم مدرسة راقية المستوى لتأهيل الفتيات الصغيرات للترفيه عن السلطان. فكنّ يتعلمن الفنون والآداب والعلوم على يد أفضل الأساتذة في الشعر وعزف الموسيقى والغناء والخط واللغات المختلفة ويدرسن حتى القرآن الكريم.
من هذه المدرسة خرجت موسيقيات ومؤلفات كبيرات مثل رفتار خلفة (توفيت حوالي 1700 ميلادية) وهي موسيقية دون مؤلفاتها الأمير المولدافي كانتمير في مجموعته الشهيرة. وكلمة خلفة تعني الاستاذ، التي تعادل الاسطة، وهو لقب صاحب الصنعة الذي أجادها وأصبح استاذاً فيها، والكلمتان مستعملتان في العراق كما نعلم.
المؤلفة الثانية كان اسمها ديل-حياة (ولدت في القرن الثامن عشر، لربما في 1710، وتوفيت ربما في 1780)، التي تعلم منها الموسيقى المصلح وراعي الفنون الكبير السلطان سليم الثالث (حكم بين 1789-1807 ثم عزله الانكشارية وقتلوه في 1808). ولديها نحو 100 عمل موسيقي مسموع حتى اليوم.
لكن أشهر المؤلفات العثمانيات على الاطلاق هي ليلى هانم المعروفة بليلى ساز التي ولدت سنة 1850. وقصتها مشوقة، لأن أبوها حكيم اسماعيل باشا كان في الأصل مملوكاً يونانياً بيع في إزمير وتعلم صنعة الطب والجراحة من مالكه، فبرع وأصبح لاحقاً كبير جراحي السلطان وانتقل بذلك للعيش في قصر السلطان. ادخلت ليلى مدرسة الحريم بعمر أربع سنوات رغم أنها لم تكن مملوكة أو جارية، وتعلمت هناك اللغات الفرنسية والفارسية والعربية واليونانية بالإضافة إلى التركية العثمانية، والفنون الموسيقية التركية والأوربية كذلك. قرضت الشعر وهي يافعة وكانت تؤلف الموسيقى لأشعارها. ألفت كثير من الأعمال المسموعة حتى اليوم منها مارش "وجدان معظم حريت" (نشيد الظفر أو الانتصار) تأييداً لثورة تركيا الفتاة في 1908. توفيت ليلى هانم سنة 1936.
مقطوعة قصيرة من تأليف الأميرة رفيعة هانم (1842-1880) بنت السلطان عبد المجيد الأول
نشيد الانتصار من تأليف ليلى هانم، مقام حجازكار:
بستة في مقام حجازكار شعر ولحن ليلى هانم
إلى اللقاء السبت القادم مع المزيد من نوادر الموسيقى
يقرن الكثير من الباحثين اللون بالنغمات، والأمر ليس مجرد مقارنة بحتة، بل هناك الكثير مما يجمع بين اللون والصوت، أهم شيء هو التردد، سواء كان طول موجة اللون أم تردد الصوت. إنها الفيزياء التي عاشت عصر الاكتشافات العجيبة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ايام الموسيقي الفرنسي كلود ديبوسي. فلا نعجب لو تأثرت الفنون جميعها بالتطور العلمي العاصف آنئذ.
ولد ديبوسي في 1862 ودرس الموسيقى في كونسرفاتوار باريس الشهير، حيث تصادم أحياناً مع أساتذته في نزعته الفطرية إلى التآلف الموسيقي غير المألوف، والذي نستطيع اليوم تسميته بالنزعة الانطباعية – تماماً مثل المدرسة الانطباعية في الرسم آنذاك – مثل تعليق الهارموني دون حله وعودته إلى النغمة الأساسية كتجنب استعمال النغمة المؤدية إلى الأساس (وتقع أدنى بنصف تون عنها) واستعمال التنافر الصوتي، واستعمال ما يسمى بسلم النغمات الكاملة (وهو سلم لا يستعمل سوى تون كامل) وغير ذلك من تقنيات التآلف الموسيقي الغريبة في ذلك العصر. كل هذا أثار حفيظة أساتذته لخروجه عن التقاليد الموسيقية التي تراكمت على مر العصور، لكنهم مع ذلك قدروا عبقرية تلميذهم واعترفوا بأصالته. تميز باسلوبه الخاص الذي يستقي من الأدب والفن التشكيلي، ويصنع من متعة اللحظة العابرة أو نفحة العطر أو لون غروب الشمس أو صوت امواج البحر على الشاطئ أعمالاً موسيقية تصويرية جميلة استعمل فيها توليفات صوتية غريبة وإيقاعات تجديدية وألحان رشيقة جذابة. جذبه الشرق، مثلما سحر الشرق فناني أوروبا في تلك الفترة. بين أشهر أعماله نجد قطعتي أرابسك (الزخارف) (1888)، وضوء القمر من متتابعته برغاماسك (1890-1905) التي استلهمها من قصيدة للشاعر بول فرلين، والبحر (1905) مقدمات البيانو (1915).
أرابسك 1
http://www.youtube.com/watch?v=28Qi4jLtigc
أرابسك 2
http://www.youtube.com/watch?v=RvAiQ9H56a4
ضوء القمر
http://www.youtube.com/watch?v=LlvUepMa31o
البحر، جرجييف مع فرقة لندن السمفونية
http://www.youtube.com/watch?v=hlR9rDJMEiQ
إلى اللقاء الاسبوع المقبل مع المزيد من الجواهر
التنويعات شكل موسيقي ظهر في القرن السادس عشر، لكنه في جذوره يعود إلى زمن أبكر. أساسه الارتجال على لحن أو ثيمة (جملة موسيقية بسيطة أو معقدة) وبناء العمل على هذا اللحن عبر تكراره مع تحوير اللحن نفسه أو التآلف الموسيقي أي الهارموني أو الإيقاع أو الطبقة الصوتية أو التوزيع الموسيقي. ويصنف ضمن هذا الشكل شكلا الباساكاليا والشاكون وهما رقصتان بطيئتان بإيقاع ثلاثي في الأصل، تستعملان فقرة لحنية قصيرة تؤدى في طبقة القرار في حالة الباساكاليا، وعلى الأغلب في طبقة القرار عند الشاكون.
قد يكون اللحن المستعمل من تأليف المؤلف نفسه، أو مستعار من عمل لمؤلف آخر. من أشهر أعمال الباساكاليا ما كتبه باخ في دو الصغير (عمل رقم 582) وهندل من متتابعته رقم 7 في صول الصغير، وجان باتيست لولي في أوبرا آرميده، ومن الشاكونا اشتهرت شاكونا توماسو فيتالي في صول الصغير، وهنري برسل (رقم 730).
أما أشهر التنويعات فهي تلك التي ألفها باخ بعنوان تنويعات غولدبرغ (رقم 988 ألفها في 1741) وتتألف من ثلاثين تنويعة على لحن واحد. وألف الكثير من المؤلفين تنويعات على لحن الورقة الشهير (فوليا)، منهم فيفالدي وكوريللي وجمينياني وكذلك ابن يوهان سيباستيان باخ، الموسيقار المبدع كارل فيليب إيمانويل باخ.
تسجيل جديد لعمل باخ الرائع باساكاليا وفوغا في دو الصغير (تصنيف أعمال باخ 582) باستعمال بيانو مع دواسات (بيانو ذو "طابقين")
http://www.youtube.com/watch?v=DF864Fev0ws
باساكاليا اللجوء إلى الملذات، لجان باتيست لولي من أوبرا آرميده:
http://www.youtube.com/watch?v=FpCbG1aqSm8
شاكونا يوهانس هيرونيموس كابسبرغر (1580-1651)
http://www.youtube.com/watch?v=4HjH16ZDwgA
شاكونا توماسو فيتالي الشهيرة، يؤديها عازف الكمان الفيرتوز زينو فرانشسكاتي:
http://www.youtube.com/watch?v=RCVqZK-6M7M
شاكونا هنري برسل الشهيرة في صول الصغير
http://www.youtube.com/watch?v=7mug0teM940
كارل فيليب إيمانويل باخ، 12 تنويع على لحن الورقة:
http://www.youtube.com/watch?v=t8mFqL0-Ix4
ولد الفلكي الكبير غاليليو غاليلي 1564-1642 في عائلة اشتهرت بالموسيقى تأليفاً وعزفاً وتنظيراً، وكان أبوه فنتشنزو 1520-1591 موسيقياً وعازفاً على العود درس الموسيقى النظرية واستعمل الرياضيات والحساب لتحديد الأبعاد الموسيقية، أما أخوه ميكلانجلو 1575-1631 فكان عازفاً ماهراً على العود ومؤلفاً مثل أبيه. لكن غاليليو لم يصبح موسيقياً برغم إجادته العزف على العود مثل باقي أفراد عائلته، بل أبدع في العلوم والفلك، وقصته مع دوران الأرض حول الشمس معروفة.
وصلت ايطاليا قمة عصر النهضة في القرن السادس عشر، فقد انتشر الكتاب المطبوع وترجمت الكتب العربية في العلوم والفنون، وبدأ مفكرو اوروبا رحلتهم الشاقة نحو حرية التفكير والتخلص من قيود الغيبيات التي عرقلت تطور العلم، فقد سلكوا طريق الشك والتجربة في معرفة الظواهر، وهو طريق سبقهم فيه بعض علماء الحضارة العربية - الاسلامية.
من منجزات فنتشنزو غاليلي في الموسيقى النظرية دراسة علاقة التردد الموسيقي بطول الوتر واكتشافه أول علاقة غير خطية في التأريخ، هي العلاقة بين التردد وقوة شد الوتر، وهي علاقة تربيعية. فالنغمة الخامسة التامة مثلاً تصدر عند نسبة 3 إلى 2 في الوتر. لكن وزن الأثقال المطلوبة لشد الوتر للحصول على نفس النغمة الخامسة التامة هي بنسبة 9 إلى 4، أي تربيع 3 نسبة إلى تربيع 2.
على أية حال، ألف غاليلي الأب مجموعتين من الأغاني التي تسمى مادريغال، وهي أغاني دنيوية لعدد من الأصوات (متعددة الصوت أي بوليفونية)، اشتهرت في عصر النهضة وبداية عصر الباروك ولا تصاحبها الأدوات الموسيقية. ألف كذلك الكثير من موسيقى العود والأغاني لصوت منفرد مع العود.
أما ميكلانجلو فقد عمل في بولونيا (كراكوف) وميونيخ بألمانيا، كان بين ألمع عازفي ومؤلفي موسيقى العود (لديه مجموعة مطبوعة للعود ذي عشرة أوتار مزدوجة).
ولغاليليو ابن غير شرعي عاش بين 1606-1649 أسمه فنتشنزو، وكان موسيقياً وعازفاً على العود. وكان يعرف بلقب امه، فنتشنزو غامبا، قبل أن يثبته ارشيدوق توسكانا ابناً شرعياً لغاليليو سنة 1619، فأصبح يسمى فنتشنزو غاليلي، ولهذا يخلط البعض بين جده وبينه.
×××××××××
هذه واحدة من أشهر أعمال غاليليو الأب، سالتارلّو:
http://www.youtube.com/watch?v=JhkH1pJv4eY
فانتازيا لعودين من تأليف فنتشنزو غاليلي من سنة 1584:
http://www.youtube.com/watch?v=WMjm_1SpDTw
وهذه سوناتا في سي الصغير من تأليف ميكلانجلو غاليليو
http://www.youtube.com/watch?v=8h5wHZ3w9Sg
وتوكاتا جميلة من تأليف ميكلانجلو لكيتار بعشرة أوتار
http://www.youtube.com/watch?v=bFBM5vSF8Rc
توكاتا اخرى على العود
http://www.youtube.com/watch?v=3KEq9NJTnQg
إلى اللقاء الاسبوع المقبل

مقالة أسبوعية (كل سبت)
بقلم ثائر صالح
شرعت في كانون الأول 2010 بكتابة مقالات اسبوعية عن المقطوعات الموسيقية التي أحبها، والتي أود أن يشاركني متعة الاستماع اليها أصدقائي ومعارفي متذوقي الموسيقى والمجموعة المندائية على الانترنت الياهو الذين أرسلت اليهم هذه الكتابات القصيرة بهيئة رسالة بالبريد الألكتروني. ثم اتفقت مع صحيفة المدى البغدادية على نشرها كزاوية اسبوعية في صفحة ثقافة، فأصبحت لي زاوية صغيرة فيها بعنوان موسيقى السبت منذ خريف 2011.
ولا أخفي سروري لهذه الفسحة في النشر والتوسع في نشر هذه الكتابات القصيرة المتنوعة، إذ أعتبر هذا مجهوداً بسيطاً أُسهم به في إشاعة مفاهيم الجمال ومقاومة انتشار القبح والسطحية والفن الركيك مقابل تراجع مساحة الفن الرصين في كل المنطقة العربية. وقد سعيت إلى أن تكون هذه الكتابات واضحة وبسيطة، وتحوي أقل قدر من المصطلحات الموسيقية التخصصية التي حاولت شرحها بطريقة مبسطة ومفهومة. وقد استعملت في كتاباتي التسجيلات الموسيقية الموجودة على الانترنت، وبنيت هذه الكتابات حول الأعمال الموسيقية المتميزة.